الخميس، 29 أغسطس، 2013

الفتوى الشرعية في تحليل المثلية الجنسية

مقال أكثر من رائع كتبه الأخ/ ماهر الحاج ونشره على جزئين في موقعه (http://www.homosexualityishalal.com/) ، قمت انا بجمع المقال بجزئيهونشرته هنا وأرجو لكم الإستفادة منه.
clip_image001
الجزء الأول
الوحدة الأولى
من أنا ولماذا هذا العمل
clip_image002



من أنا؟
هل كنت أعاني من المس الشيطاني؟ أم لعله كان حسداً أو شعوذة؟ كان ذلك موضوع جلستي مع أحد الشيوخ المتخصصين في تلك الأمور والتي عقدت بتدبير من عائلتي في مدينة العقبة الأردنية في خريف عام ١٩٩٩. فبعد كل ما بذلته عائلتي من محاولات عقيمة لاصلاحي، لم يكن أمامهم أي سبيل آخر: فإما أن أكون ممسوسا بشيطان أو جنيّ ملعون أو مسحورا بشعوذة ما أو أنني سقطت ضحية للعين والحسد. فالأمر بدا واضحا لهم وبوادر هذا المساس كانت ظاهرة علي؛ إذ أني كنت هزيلا، نحيفا، حزينا، نافرا، غير مواظب على دراستي وفي دوام غامض على وحدتي. هذا أيضاً كان تحليلا مبررا ومنطقيا لرسوبي في الثانوية العامة من بعد ما أن كنت الأكثر تفوقا بين زملائي. فما الحكاية؟

أنا ولدت في العاصمة الاردنية عمان في مطالع الثمانيات من القرن الماضي لعائلة مسلمة محافظة تعود جذورها الى قرية لفتا الفلسطينية الواقعة على الجانب الغربي من مدينة القدس. وإنه لمنذ حداثة عمري، أي منذ نشأتي الأولى لاستدراك العالم من حولي، كنت أشعر باختلاف جذري في نفسي، وبالأخص، بتصادم بين هويتي الذكرية كطفل في ريعان سنونه، وبين ما تلقنته من دور إجتماعي مفروض. فرغما عن كوني ذكرا من الناحية البيولوجية، إلا أنني  كنت أميل الى الأشياء الأنثوية التي لم يكن من"الطبيعة" أن أميل اليها. كنت أحب اللعب بفساتين أخواتي على سبيل المثال، ومستحضرات تجميلهن وتصفيف شعرهن. أنا أتذكر المرات العديدة ألتي "استعرت" بها مكياج أخواتي وذهبت به الى الحمام وأغلقت الباب من خلفي ووضعته على وجهي. لم أكن أحب اللعب الشرس مع الاولاد الاخرين
clip_image004ولم أكن أحب اللعب بالسيارات ومعظم الألعاب الرياضية. كنت دآئماً أفضل البقاء في المنزل واللعب مع أخواتي والإصغاء لحديثهن وكان ذلك يشعرني بسعادة داخلية جمّا وبصواب فطري. لعلي كنت في الثامنة من عمري عندما أخذت فستاناً أخاطته أختي الكبيرة وذهبت به الى الطابق السفلي المهجور من بيتنا وبخفية وحذر شديدين، وأغلقت الباب من خلفي ومن هناك الى غرفة منعزلة في الداخل؛ لبست ذلك الفستان وأخذت أدور من حولي فرحا بما يجري وسابحا في عالم الخيال. كنت أدرك أنّ لبسي لذلك الفستان كان محذوراً من حولي ومناقضا للعرف والمعهود، ولكنه أشعرني بطبيعة ذاتية كامنة وجميلة لم أكن أفهم حقيقة منعي لممارستها. ومع أنني لم أكن في موقع لفهم ذلك، كان فضولي هذا إيذاناً بحقائق عن خلقيتي لم أكن أنا ولا من هم حولي في منصب لاستيعابها. أنا طبعاً لم أكن قادراً على أن أبوح لغيري عن هذه الممارسات، فالولد لا يستطيع أبداً أن يتصرف كالبنات ولكل دوره الاجتماعي الخاص به؛ هذا"الوعي" كان وللأسف "وعيا" ضمنيا أجبرت على عيشه والالتزام به. ولكن وكلما كبرت كنت أيضاً أزداد وعيا وإدراكا بتناقضات جدّية بين ما سُيّرت لتصديقه من مسلمات إجتماعية، وبين ما كنت أشعر به داخلياً كطفل مختلف عن بقية أقراني.
عند بلوغي الثانية عشر من عمري تقريبا أصبحت على علم بشيء مؤلم لم أستطع فهمه أو التحدث به. أيقنت حينها أنني أميل ميلا جنسياً للذكور بالطريقة ذاتها التي تميل فيها الإناث للذكور، وكنت فاقدا لأي ميول جنسي للإناث. شعوري هذا ولكوني ذكرا لم يكن أمراً معترف به من حولي بل ولم يحدث وسمعت به على الإطلاق. هذا لأن اشتهاء الذكور هو أمر مقتصر على الإناث فحسب وأي شيء مخالف لذلك فهو مخالف للطبيعة والعرف والدين.
ومن هناك، ومن شعور يملئه الاضطراب والتناقض وهويته المرض والفسوق، بدأت في رحلة طويلة لاستكتشاف الذات، رحلت غريب بين أهله وناسه ودياره، عنوانها الوحدة والألم، متعددة في مراحلها، ولكنها ترفض بأن لا تكون.   أنا لوطي

بدأت حياتي كملتزم من شباب المسجد في حينا في سن الرابعة عشر من عمري خلال العطلة الصيفية لعام ١٩٩٥وتعرفت خلالها على الكثيرين من شباب المسجد الذين هم على قمة من مكارم الأخلاق. كنت بحاجة ماسة لأن أحيا حياة من شأنها تخليصي من التناقض الداخلي المؤلم في شخصيتي وهدايتي الى الطريق السوي؛ وهل هناك أي طريق لذلك خيراً من طريق العبودية؟ كان إيماني بالله وبمساعدته الحتمية لي وبما كنت أعانيه من "شذوذ غير طبيعي" أو غير ذلك من تحديات، إيمانا مطلقا لا شكوك فيه. فثابرت على ذهابي للمسجد وأصبحت من المتسابقين على الصف الأول في الصلاة وحفظ القران. كان شغفي لتعلم الدين الإسلامي شغفا قويا وتم ملاحظته من قبل القائمين على نشاطات المسجد. تم وضعي بعدها مع مجموعة سرية خاصة من الشباب تدعى "المتحابون في الله" والتي هدفت الى إعدادنا كرجال للجيل القادم وكقوّاد للمستقبل. ولكن كلمة "رجل" كانت ترعبني. فرغما عن محاولتي المستحيل لأن أتصرف كما يتصرف الرجال، وأن أتكلم مثلهم، وأن أمشي كما يمشون، إلا أنّ حقيقتي من الداخل لم تتوافق مع ما كنت أحاول إضهاره خارجيا. كانت شخصيتي ضعيفة جداً وكان صوتي خافتا وكانت مشيئتي تختلف وكل هذا كان ظاهرا علي. كتب لي شيخي من المجموعة في إحدى رسائله بتاريخ ١٩٩٦/٥/٣، على سبيل المثال، وقال: "...في بداية التزامك معي [يا ماهر] وجدت فيك بعض صفات التعامل ليست بصفات الرجال؟؟!" تلك الرسالة كانت جارحة لي إذ أنها كانت تذكيرا بحالي وفشلا مني على إخفائه. ما كان بوسعي حينها إلا أن أصبر على مصابي الجلل وأن أبحث صامتا عن منفذ أو علاج. 
الكلمة الوحيدة القريبة لوصف ميولي الجنسي في اللغة العربية آن ذاك والتي كنت على علم بها هي كلمة "اللواط"، وهو فعل الرجل الأفعال الجنسية مع رجل آخر. فهل أنا لوطي؟ هذا لم يكن شيأ محرماً فقط في الدين الاسلامي، بل كان من أكبر الفواحش التي يستطيع المرئ ارتكابها. انها حتى لأكبر وهلا من فاحشة الزنا أو عندما يأتي الرجل المرأة أو المرأة الرجل خارجا عن نطاق الحلال. كوني "لوطيا" كان مصيبة عظمى وابتلأً شديدا من الله، فهي كلمة قاصية على مسمع الأذان البشرية لما تتضمنه من سيئات وفواحش ومخالفات للفطرة الإنسانية. إنها لمتعلقة بدبر المرئ والبهائم والاستغلال الجنسي للأطفال. المرئ منا لا يستطيع حتى تحمل التفكير بها من قساوة وقعها على النفس والعقل. فاللواط هو رذيلة قذرة ولا يختار فعلها إلا كل شآئن وفاسق.
بحثت كثيرا فيما كان متاحا لي من نصوص شرعية وغيرها لأجد تفسيرا مقنعا لحالي خارجاً عن مفهوم اللواط ولكنّ محاولاتي كلها بائت بالفشل. لم يكن هناك أي شيئ يتحدث عن ما كنت أشعر به، ليس من منطلق فطري على الأقل. أنهكت جسديا وأرهقت عقليا وحالي بات في دوامة أزلية لاهروب منها. فإذا كان ما أشعر به من ميول لوطي هو اختيار مشؤوم من اقترافي واختياري، حتى لو أنني لا أتذكر
clip_image006

قيامي بذلك، فلا بد لي من العزم على تغييره. ولكن هذا لم يكن بالأمر الهيّن. كانت إرادتي ضعيفة جداً وفقدت الأمل في "الاعتدال" ومن هناك بدأت حياتي تزداد سوءً وانحدارا الى القاع. أصبحت أمشي تائها في شوارع عمان من غير مبدأ ولا هوية ولا غاية، وجلّ همي أصبح بحثي عن مصدر رخيص لتفريغ شهوتي.
كنت أندم وأبكي خوفا من الله واعتذارا له على ضعفي وشذوذي في كل مرة أقع فيها بالخطأ، ولكنني كنت عديم الإرادة ودائم العودة الى معصيتي. أنا عبّرت عن ذلك الضعف في رسالة كتبتها في ذلك الوقت: "فورب الكعبة إني غير قادر على التوقف [عن فاحشة اللواط]. أعلم حق العلم أنها حرام وما فعلتها قط إلا وأنا معترف تماما لله بأني مخطئ. أفعلها وأنا ما أريد فعلها ولكنّ قوة عجيبة تدفعني...وفي كل مرة أتوب وأبكي وأندم، إلا أنني بعد فترة قليلة من الزمن أعود. أعلم أنني لا يجب أن أيأس إلا أنني بدأت أسلك طريق اليأس. فلطالما تبت إلا أني أعود. إني أكره نفسي ولكن ورب الكعبة أشعر بالعجز عن فعل أي شيء لإصلاحها." كنت أحب الكتابة إذ أنها كانت ملاذي ولكن حتى ذلك لم يكن آمنا واضطررت لاختراع شيفرة من حروف أبجدية لا يفهمها أحد غيري.
وهكذا بات شأني، أركض بتخبط لكي أتلّقط أنفاسي بغموض وتناقض مستمرين ولكي أقتات جنسيا بكل توجع وهوان؛ أعيش حياة في مظهرها الإنسان الملتزم الذي يخاف الله في أقواله وأفعاله، وفي باطنها إنسان قذر لوطي بل ومن الحثالة على هذه الأرض.
أنا طفرة خلقية
ولكن كوني "لوطياً"، ومخالفة لما قرأته ولكل ما قيل لي عن سآئر أحوال اللوطيين، لم يكن شيئا أنا اخترت فعله، عيشه أو الشعور به. حاولت المستحيل لتصديق ذلك ولتغيير شهوتي ولأن أجد تعديلا "للوطيتي واختياري". فبذلت العديد من المحاولالت لأن أصف ما أمر به لكثير من الموثوق بهم من أهل العلم والدين لعلهم يرشدوني لأن أفهم الواقع الحقيقي لقصتي ومعاناتي؛ شرحت لهم أمري جاهدا وأنني لا أختار هذا الشعور اللوطي؛ أخبرتهم أني لا أريد أن أكون من أهل النار وحاولت جاهداً التقرب من الله والالتزام بشريعته؛ أوضحت لهم أنني على استعداد لفعل أي شيء من أمره إصلاحي؛ تذرعت إليهم وناجيتهم لأن يفهموا ما أمر به؛ أنا حقيقة لا أملك أي شعور جنسي تجاه بني جنسي الأخر وأنّ حالي ليس باختياري أو من الأشياء التي بقدرتي تغييرها. ولكن وللأسف، كنت دآئماً أواجه بأجوبة لم يكن لها أي صلة أو أي أصل في الحل لمشكلتي. فكتب لي أحد أقربائي من رجال الدين القانطين في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، ردا على رسالة أرسلتها له استقصاءً عن هذا الموضوع ومتحججا بمساعدة "صديق" لي ممن ابتلاهم الله بهذا الأمر، وقال" الواجب [على صديقك] أن يتوب توبة نصوحة وأن يستغفر الله كلما وقع في الذنب وأن يكثر من الحسنات لأن الحسنات يذهبن السيئات. وعليه أن يكون قوي الإرادة، صادق العزيمة وأن يتذكر أن الله يراه وأن الله قادر على أخذ روحه أثناء قيامه بهذا العمل ويبعثه على ذلك يوم القيامة وأن هذا الأمر دين ومن عرضة القضاء. وعليه بأن لا يوهم نفسه بأن الزواج لا ينفعه فالزواج حل يطفء الشهوة وقد شرعه الله وإن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم. وعليه بأن يهجر رفاق السوء الذين يذّكرونه بهذا الأمر وأن يهجر الأماكن كذلك التي تذكره بهذا الفعل وأن يصاحب الأخيار وأن يدعوا الله أن يعينه صادقا في ذلك الدعاء وعليه أن يبتعد عن كل ما يهيج شهوته..." ووصلتني رسالة أخرى بفتوى من أحد تلاميذ الشيخ إبن عثيمين رحمه الله، فضيلة الشيخ عبد المنان البخاري، المتخرج من كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكانت رسالته مماثلة في مضمونها اذ قال لي "أما كونك لا تميل للنساء وأنك تميل للرجال فهذا وسواس شيطاني وهو من تلاعب الشيطان بك...". وحثتني فضيلة الشيخ البخاري على أن لا أصاحب أي غلام أمرد أو غير أمرد؛ ألا أفكر في هذا الموضوع إطلاقا؛ ألا أنظر للمحرمات من صور النساء والأطفال؛ أن أكثر من الصوم والتضرع من الله؛ أن أحرص على الزواج الشرعي من امرأة صالحة؛ وأن أتوب توبة نصوح، وغير ذلك من الكلام. 
لم أقف عند هذا وتحدثت مع الكثيرين غيرهم من أهل الدين والصلاح. ولكنّ اعتقادهم بأنني لا بد أن أملك الشهوة الجنسية للجنس الآخر كان دائماً هو المحرك المسير لكل أجوبتهم. فنصيحتهم الدائمة لي كانت تحثني علي التوبة من الى الله من هذه الأفكار اللوطية وأن أجد فتاة صالحة لأتزوجها لتعينني على دين الله، وهذا لمن شأنه أن يحل مشكلتي وإن لم أستطع فإن علي بالصوم؛ لقد قيل لي أنّ ما أشعر به لا بد أن يكون باختياري ومن إرادتي وأنه واجب علي أن أحاول جاهداً لأغير ذلك والله سوف يساعدني؛ علي بأن لا أنظر للنساء والأطفال فقد يكونوا سببا لمشكلتي وأن أثابر على مجالسة الرجال والاختلاط بهم؛ وغير ذلك الكثير! ولكنني كنت على يقين أن الزواج من الجنس الآخر لن يكون حلا لمشكلتي، وأما عن الصيام، فلطالما صمت من أجل ذلك ولم يكن في صيامي تغييرا من شهوتي، وأما عن النساء، فمنعي من النظر إليهن ومجالساتهن كان مناقضا للقضية إذ أنني لا أميل جنسيا لهن؛ وأما عن اختلاطي بالرجال، فهذا أيضاً بدى مناقضا لقضيتي؛ ألم يكن من الأفضل ابتعادي عنهم وعدم مخالتطهم لأنني على اتجاه جنسي نحوهم؟ وأما عن الأطفال، فما علاقتي بهم؟ وأما عن اختياري لهذا الشعور اللوطي، فأي مجنون يختار هذا؟ كان عندي المئات من التساؤلات ولكن لم يكن هناك أياً ما قادراً على اقناعي بالأجوبة عليها. كل ما قيل لي كان مليئاً بالتناقد وإيذاناً واضحاً بجهل كبير في هذه القضية. فإما علمائنا وقوادنا لم يكن لديم الأدلة الثابتة والقدرة على استعراض الموضوع بشكل منطقي وعقلي وإنساني، كما يحث عليه ديننا الإسلامي الحنيف، أو أن هنالك ثمة استنتاج آخر.
الدين الاسلامي هو دين عظيم وإذا كان علمائنا يقولون بأن اللواط حرام، فلا بد أن يكون. ولكنهم يشرعون فتواهم من ناحية اختياري لهذا الشعور اللوطي والعمل به. هذا ما هو معترف به كما قيل لي كراً وتكرارا؛ فكل اللوطيين من غيري هم يملكون الشهوة الجنسية للجنس الاخر ولكنهم يذهبون خارجا عن فطرتهم بإرادتهم ويعصون الله. ولكني لم أقبل أن أستسلم لهذا التوضيح لأنني لم أكن كذلك ولم أكن في موضع للإختيار. وإذا كان اللوطين الاخرين يختارون ما هم عليه بالفعل كما يقال، فإذا هناك إحتمالين اثنين: إما أن يكون لدي شعور جنسي للجنس الاخر ولكنني متجاهل له، شيء كنت أرفض تصديقه، أو أن حالتي بأقصى احتمالاتها هي حالة منفردة، كمرض نادر أو طفرة خلقية وابتلاء من الله. أقنعت نفسي بعدها أن ميولي الجنسي لا بد أن يكون طفرة خلقية من الله، فذلك أقرب الى العقل والصواب مما يُوجه لي من اتهامات في الاختيار. وبناء على ذلك فمشكلتي لا بد أن تكون مختلفة عن بقية اللوطيين والحل في قضيتي لن يكون بالزواج أو بالارادة القوية للتغيير أو غير ذلك من تناقضات، علما أن هذه الحلول قد تكون حلولا سليمة للوطيين الذين يخرجون عن فطرتهم بإرادتهم. فقضيتهم اذا هي قضية إختيار وضعف بقوة الارادة، وقضيتي هي ابتلاء أعظم إذ أنها قضية طفرة خلقية واضطرابات فطرية وفيما أعيه من هوية وميول جنسية.
فهل أنا إذاً هو الإنسان الأول والوحيد الذي يشعر هكذا وحقيقةً لا يملك أي شعور جنسي للجنس الآخر؟




أنا مريض نفسي
عان أفراد عائلتي كثيرا لمعرفة الدوافع من كآبتي وعدم دراستي وحاولوا المستحيل
clip_image008

لمساعدتي. كنت أنزف ألما أمامهم ولكنني في نفس الوقت لم أكن قادرا على أن أصارحهم. كنت خائفا جداً ومشمئزا من نفسي ومن الشخص الذي تحولت له. فأنا على مرض لوطي قذر ومستتب وشأني هو شأن عار ومذلة؛ فكيف أقول ذلك لهم؟ عالمي تحول الى مغارة معتمة من دون أمل أو إضاءة وأصبحت معزولا وبشكل مبرح. كنت وحيدا في عالم لا يرحم وفكرت كثيرا بالانتحار.
تدمرت علاقتي مع أهلي ولم أعد أتكلم مع أغلبهم. ولكنّ أمي كانت صاحبة إصرار وعزيمة عتيدين ولم تكن لتستسلم أمام ضياعي هكذا، فأرسلت لحديثي واحدا من أقاربي ممن كنت أقدر وأحترم. قام قريبي هذا بالضغط عليّ ووعدني بالسر والكتمان، فاستسلمت بعدها للواقع وأخبرته. كان حساسا جدا لمشاعري وحاول أن يتفهم الموضوع قدر الإمكان. ومع أنه لم يستطع استوعاب القضية، إلا أنه أدرك أنني بحاجة الى خبير نفسي لتفهم حالتي وعرضني على واحدا من أشهر الاطباء النفسيين في الاردن آن ذاك. ومن بعد أن عُرضت على هذا الطبيب وأخبرته بما أعانيه من اتجاه جنسي "شاذ"، نظر اليّ الطبيب وضحك باستهزاء. أخبرني حينها أنني لو كنت في أوروبا لكان باستطاعتي أن أحوّل أعضائي الجنسية الذكرية الى أعضاء أنثوية وأن أعيش كذلك بقية الحياة. هذا بالطبع لم يكن ما كنت أبحث عنه وعرفت لحظتها أن هذا الطبيب، ورغما عن تميزه وشهرته، إلا أنه كان يفقد الكفاءة المطلوبة لإرشادي ونصيحتي. لكن لم يكن أمامي العديد من الإختيارات وكنت كالشاة المعلقة بعرقوبها فقمت بإجراء فحص لمعايير الهرمونات الذكرية بناءً على طلبه. كان يهدف ذلك الفحص الى معاينة وإصلاح أي خلل هرموني موجود في داخلي ولكنّ النتيجة كانت طبيعية وفي ضمن المعدل الطبيعي. قام بوضعي بعدها على دواء الكآبة النفسية وداومت على زيارته.
أصبحت على بعد من الواقع  وسارحا في الحصص الدراسية وفقدت التركيز في حياتي وأهدافي. كلمت أمي والدي هاتفيا، حيث كان يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، وشرحت له قصتي وأنني في وضع خطير وعلى تدهور وانحدار. اضطرني ذلك الحدث بعدها لأن أرسل فاكسا لأبي لكي أشرح له قصتي وطلبت منه أن يكتم الحال. كان أبي أكثر إنسان مكافح عرفته في حياتي وكنت أكره أن أخيب آماله. كان أبي أيضاً من أكثر الناس رقاءً في التعامل معي ولكنه أبدى قلقا شديدا حال تطلعه على الموضوع وأصبح يهاتفني يوميا. أثار هذا الإهتمام الزائد قلقا من الجميع ممن هم حولي وغدوا على شك في معاناتي من مرض متأصل خطير، فكرهت جداً ما أشعرني ذلك من ضعف ومن شفقة واضطررت بعدها لأن أكذب على والدي؛ أخبرته بأن نتيجة الهرمونات الطبية التي قمت بإجرائها أظهرت أن هناك خللا في المعايير الهرمونية وأن الطبيب قام بإصلاحها وعدت إنسانا طبيعيا كالآخرين.
أخذ أبي الأمور على عاتقه من بعد ذلك وطلب لي يد قريبة من أقربائي. تحججت حينها أنه إذا كان لا بد لي من الزواج، فلن أتزوج من الأقارب بل وسأغرب نكاحي كما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم. لكنّ قريبتي كانت سباقة في الرفض. فمضى ذلك العام الدراسي بمعاناة شديدة ورسبت بالثانوية العامة.
أنا مركوب بجني
بعد استنفاذهم لكل المحاولات الدنيوية من المتاح والتي هدفت الى إنقاذي، لم يكن أمام عائلتي سوى اللجوء الى العالم الآخر والتأكد من أنني لست أعاني من مس شيطاني أو حسد أو شعوذة. لقد فكرت نفسي في كل تلك الاحتمالات، حقيقة، إذ أن ما
clip_image010

أعانيه من شذوذ جنسي ومن كآبة جرداء هي أمور ليست مألوفة للعادة، فلعلها إذا أعمالٌ خبيثة من صنع جني أو شيطان.
وفي تلك الجلسة التي نَوّهتُ اليها في مقدمة هذه الوحدة، أغلق الشيخ الباب من خلفه وأخذ بالشرح فيما قد يحصل. أخبرني بأنني قد أرى حجابا مخفيا في زقة من زقاق البيت أو في مكان آخر، وإذا حدث فإن علي اخباره؛ كوني مسحورا أو محسودا هو احتمال وارد. ولكنّ الاحتمال الاخر هو أن أكون مركوبا بجني أو مارد ما وإذا كانت القضية كذلك، فقد يستملك هذا الجني جسدي وأحبالي الصوتية ويحاول المقاومة. قد يبدأ أصبع قدمي الكبير بالحركة وهذا شيء جيد إذ أنه دليل على خروج الجن من جسدي. فأغلقت عيناي وبدأ الشيخ بقيامه بالشعائر الدينية لإخراج ذلك الجني المفترض والتي تضمنت على قراءته لأيات معينة من القران الكريم والدعاء والمؤثورات. حاول الشيخ استحضار هذا الجني جاهدا فحادثه مباشرة وناداه وسأله عن اسمه وأمره بأن يخاف الله وأن يترك جسدي وغير ذلك. وبعد قضاء المدة الزمنية المقررة لتلك الجلسة، كانت النتيجة واضحة إذ أنني لم أرى أي حجاب ولم يخرج مني اي جني ولم تكن هناك أي إشارة أو دلالة على وجوده. أخبر الشيخ عائلتي بعدها أنني سليم من الشياطين ومن أي سحر أو شعوذة.
أنا حقيقة كنت دائم التمني بأن يساكن جسدي جني! لكنني كنت أطلب من الله أن يجعله جنيا مسلما مؤمنا لكي يعينني على عبادة الله وأداء واجباتي الدراسية. فلطالما اعتمدت على نفسي وقدراتي الدنيوية للإصلاح إلا أنني كنت دائم الفشل. فالأمل في "إصلاحي" كان يحتاج الى طاقات خارقة ليست من صنع هذا العالم بل من صنع عالم آخر. ولكنني لم أكن ممسوسا بشيء.
أنا شاذ ومنحرف وأستحق إقامة الحد
عانيت الكثير وكنت أشمئز من ذاتي وما آلت اليه حالي، وبالنهاية قررت بأن أعرض نفسي للشريعة الاسلامية ليقام عليّ الحد. العقوبة التي يقدرها علماء المسلمين لفاحشة اللواط هي عقوبة قاصية، فهناك من هم على مذهب القائلين بالقتل مطلقا، وهناك من هم على مذهب القائلين بأن حده حد الزاني فيجلد البكر ويرجم المحصن وهناك من هم على مذهب القائلين بالتعزير، وغيرهم. ومع اختلافهم في كيفية العقوبة، إلا انهم أجمعوا على حرمتها ووجوب عقابها. فاحشة اللواط، كما مأخوذ بها في التعاليم الإسلامي، هي فاحشة عظيمة تهز عرش الرحمن ولعلها الأكبر من بعد قتل النفس البشرية بغير حق. ومع أنني كنت على استنتاج أن حالتي في باطنها ليست بحالة لواط بل هي طفرة خلقية أنفرد بها ولا بد من علاجها، إلا أنني وقعت في المعصية مرات متعددة وتعبت ويأست من محاولاتي الفاشلة للتغيير. لم أعد قادرا على تحمل تأنيب الضمير؛ فأنا لم أتوقف للحظة عن إشتهاء بني جنسي من الرجال وحاولت وحاولت ولكنّ الحال من المستحال. إن كان في قتلي تخليصا لي ومغفرة في الدنيا والآخرة، فإني بت مهيئا لفعل ذلك بالروح والجسد.
مجتمعاتنا الاسلامية هي مجتمعات طاهرة صافية ولا مكان فيها لمن هم مثلي من شوائب ومن دنس. ولذلك قررت أن أقدم نفسي للشريعة الاسلامية في أواخر عام ١٩٩٩، مستسلما بين يدي لله، صافي القلب، طاهرا من الذنب ومعترفا بضعفي وقلة
clip_image012

حيلتي، لعل الله أن يقبل توبتي وأن يسامحني ويجعلني من عباده المقبولين. فالإحتمال الآخر، الذي كان واقعيا وظاهرا لي ولا ثالث لهما، هو أن أموت على هذه المعصية وأن أخلّد في نار جهنم التي لا تهدأ ولا تشقى.
كتبت رسالة لدار من دور الإفتاء في المملكة العربية السعودية حال وصولي الى ذلك القرار، تحقيقا لمرادي وساردا لهم قصتي وطالبا منهم أن يرشدوني الى الطريق الصواب. أخبرتهم أنه لا مانع عندي من أن يقام الحد عليّ إن كان في ذلك خلاصا لي وراحة أبدية في الدنيا والآخرة. ولكن الله لم يرد لي السوء ولم أرسل تلك الرسالة. جائت أوراق هجرتي الى بلد آخر وأصبحت على أهبةٍ للرحيل.
أنا على ابتلاءٍ بمرض بيولوجي
غادرت المملكة الأردنية الهاشمية الى الولايات المتحدة الأمريكية في السادس عشر من الشهر الأول لعام ٢٠٠٠ والتحقت بعدها في مدرسة ثانوية هناك لكي أجتاز الثانوية العامة ولكي أتعلم اللغة الانجليزية.  كنت عازما على أن أبدأ حياة جديدة من شأنها أن تمحو الماضي وتسترد للروح مكانها. وما كانت الى فترة زمنية وجيزة حتى أصبحت متفوقا في صفي وحصلت على أعلى الدرجات. لكن ما كنت أعانيه من ميول جنسي "لوطي" لم يفارقني البتة وكان متلبدا في ذهني وسائرا في شرايني. كنت في عطش شديد لأن أتعلم المزيد عنه لأغير مسار حياتي وأصبح إنسانا طبيعيا كغيري. أصبحت الآن في حياة تختلف وذو ثقافة تختلف وبهذا تجددت فرصتي لأن أفهم حقيقتي وأحاول تصحيحها. بدأت حديثي مع الكثيرين عن هذا الموضوع وقمت بعديد من الدراسات العلمية والأبحاث. ولكن لم تكن النتيجة كما توقعتها؛ فاختلافا عن أجوائنا العربية والإسلامية وما نعيه من مسلمات اجتماعية، موضوع الميول الجنسي بين الرجل والرجل أو المرأة والمرأة لم يكن شيئا غريبا على الفئة العامة من الناس هنا. اكتشفت حينها أن هنالك الكثيرين ممن هم في وضعي وبالتالي ما توصلت اليه من تشخيص سابق على أنني أنفرد بطفرة خلقية وحيدة في هذا الكون لم يكن صحيحا ولم يعد منطقيا. ومع هذا، إلا أنني رفضت رفضا شديدا كل ما قيل لي عن اللوطية وأنها بالأمر الطبيعي. فإذا لم يكن ميولي الجنسي هو طفرة خلقية خاصة بي، فلا بد إذا أنه مرض بيولوجي قابل للعلاج؛ هذا لأنه لم يكن هنالك أي جدال في قضية اللواط وتحريمها في الدين الإسلامي وإيماني بذلك كمسلم مؤمن كان إيمانا مطلقا لا نزاع فيه. وقبل تخرجي من الثانوية العامة قمت ببحث عن هذا الموضوع وناقشت فيه الأسباب التي تجعل اللواط أمرا رذيلا وخطيرا على المجتمع ككونه "سببا" لمرض فقد المناعة المكتسبة أو الإيدز ولا بد من محاربته؛ فحرمته في الإسلام لم تكن حرمة من باب العبث.
تأزم حالي مرة أخرى  بعد تخرجي من الثانوية العامة حيث أنني تعبت ويأست ولم يكن أمامي أي سبيل للعلاج. كنت أكره نفسي وما آل اليه حالي وكنت حزينا جداً
clip_image014

على أهلي لبلائهم بشخص رذيل من نوعي. كان عذاب النفس يؤنبني ولم يكن هناك أي منفذ أو خلاص. فكرت كثيرا واستنتجت أن الشيء الوحيد الذي كان بوسعي فعله كي لا ألحقهم بالعار والأذى هو تخليصهم مني ولكن ليس بالقتل بل بالبعد والرحيل. وفي مساء يوم من أيام الشهر العاشر لعام ٢٠٠١ كتبت لهم رسالة وداع وأخذت حقيبتي وغادرت.  أخذت سيارتي وذهبت الى مسجد كان قريبا من بيتنا في منطقة ديربورن في ولاية متشغن وانتظرت هناك ساعة أو اثنتين، ومن ثم عدت الى بيت أهلي وصففت السيارة أمامه وأخذت بالبكاء. أُطفئت أضواء البيت فيما يقارب الساعة الرابعة صباحا وذهبت بعدها الى المسجد مرة أخرى لأداء صلاة الفجر. انطلقت بعدها تائها من نفسي وساعيا وراء عالم مجهول، وأمضيت الرحلة باكيا وطالبا العفو من أهلي والمغفرة من الله.  أمضيت سنة كاملة بعيدا عن أهلي وعدت بعدها خائبا في مهمتي ولوطيا في نهاية المطاف، تماماً كما كنت في بدايته.
التحقت بعدها بالكلية لكي أكمل دراستي العلوية وتكثفت أبحاثي خلال تلك الأيام وبذلت جهدا كبيرا لأن أبحث عن علاج للواط. بدأت الأمور تتطور إذ أني قمت باكتشاف دراسات علمية تبين عن ظواهر بيولوجية معنية باللوطين كتقلص حجم منطقة محددة في دماغهم وغير ذلك، وكان هذا بشائر خير إذ أن معرفتي لسبب هذا الداء سيساعدني على إيجاد الوسيلة للتخلص منه. فقال لي أحد زملائي حينها، ولم يكن مسلما، آنه يحترم اجتهادي عن البحث عن دواد "لمرضي،" ولكنه على فضول: هل أنا فكرت في احتمالية أن الله خلقني هكذا وأن هذه الظاهرة هي طبيعة خلقية، أو ما نسميه الآن بظاهرة المثلية الجنسية، وأنها ليست بمفهوم اللواط وما يتضمنه ذلك من اختيار، وبناء على ذلك فإن ليس من شأنها العلاج؟
أنا تجاهلت هذا الزميل ورفضت كلامه بالجزم والقطع، فما قاله لي كان خطيرا ويخالف كل ما تربيت عليه من تعاليم إسلامية. تعرضت بعدها لنقاشات كثيرة مع آخرين وكان دلوهم متشابها، إلا أنني أصررت على موقفي. أنا كنت على يقين أن ما أنا عليه إنما هو مرض وامتحان من الله وما هي الا بضيعة من الوقت حتى أجد الطريقة لعلاجه.  ولكن هل كان يقيني مُبَرراً؟
أنا مثلي جنس
ما لم أستطع فهمه أو استيعابه في ذلك الوقت هو احتمالية أن تكون الامة السلامية جميعها على جهالة بما قاله الله  والرسول في هذا الموضوع. أنا تبنيت التعاليم الاسلامية في هذه القضية كما قدمها لي العلماء المسلميين وأصررت عليها ولم أفكر بالتشكيك بها. ولكن، ماذا لو كانت الأمة الاسلامية جميعها حقيقة على جهالة في هذا الموضوع؟ ولكن كيف يكون هذا؟ كيف يمكن لأمة كاملة تعدى أفرادها البليون والنصف أن تكون على خطأ؟ لو كان الأمر كذلك لجاء أحد من قبلي لينقض هذا الموضوع ومنذ زمن بعيد! هل هنالك حتى أي ضئالة في الإحتمالية بأن يكون علمائنا على جهل في أمر كهذا؟ التساؤلات بدأت تزاحمني وكلما بحثت أكثر في الأبحاث العلمية والمعلومات، كلما أجبرت على أن أراجع ما نشأت عليه من تعاليم ومعتقدات.
كنت على قناعة بأن العلم والإسلام لا بد أن يتوافقا، فبعد أن اقتنعت بالحقائق العلمية، قمت بعدها بدراسة القضية من الناحية الشرعية مرة أخرى وبانفتاح أكثر.  وبعد التمعن في كتاب الله و سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، أيقنت حقائقآ كثيرة في الأمور التي تربيت عليها والتي أذهلتني ولم أكن قادرا على تصديقها. نحن فعلا على جهالة في هذا الموضوع، وهذا كان جارحا لي وخيانة لإنسانيتي.  فكيف لأمتي أن تخذلني هكذا وكيف يقوى علمائنا على الإستمرار في ظلمهم لي ولمن هم أمثالي؟
أنا لا أتهم علمائنا بالجهل ولكني أتهمهم بظلمي وظلم الآخرين من المثليين الجنسيين نتيجة لرفضهم بالتمعن الدقيق بقضيتنا رغما عن ما هو موجود في الشريعة الإسلامية من مكان رحب للمثليين الجنسيين ورغما عن كل ما يدليه العلم الحديث لنا من إقرار طبيعي في قضيتنا. فلو نظروا قاصدين الحقيقة في هذا الموضوع وبشكل دقيق وجدي، لكانت فتواهم ووجهات أنظارهم تختلف تماما عما هي الان؛ هذا لعله نتيجة الخوف من ارتكاب الخطأ والحرص الشديد على عدم معصية الله ولكن هذا الحرص هو ذاته الذي يؤدي الى النتائج الخاطئة المجردة من الحقيقة والواقع والتي تظلم الآخرين وتضحي بانسانيتهم. ولكن بعد إنهائي لنشر هذا العمل وإكماله، وبيان الأدلة الشرعية التي تفتح بابا واسعا لتحليل المثلية الجنسية في العلم والسنة والقران، فإني سأضع المسؤلية العظمى على كاهل علمآئنا في هذا الموضوع،  فحجتهم ضعيفة بعد ذلك وإنها لمسؤولية ثقيلة على أكتافهم.
clip_image016

تم اختياري لأن أصبح رئيس تحرير جريدة الكلية في عام ٢٠٠٥ فأخذت تلك الفرصة وكتبت عن معاناتي كمثلي مسلم في الأوساط المسلمة وعن كيفية توفيقي بين ديني الإسلامي وبين مثليتي الجنسية.  وهكذا خرجت من الخزانة وبدأت أرى النور. لعل رسمتي "في الخزانة" في أول هذ الوحدة هي رسمة معبرة عن الألم الذي كنت أعانيه من عيش في الظلام. فحقيقتي بأغلبها، من أنا ومن أكون، كانت في عتمة قتماء وفي نزيف وعناء مريرين. فما كان في العتمة من جسدي كان يتألم، وتداعى ما كان سائره بالسهر والحمى.
كان وصولي الى هنا أمرا مريرا ولكنني وأخيرا أدركت الحقيقة. فقضيتي ليست قضية لواط وأنا لست بطفرة خلقية؛ أنا لست بالمريض النفسي ولست مركوبا بجني؛ أنا لست بفاسق أو شاذ ولا أستحق القتل لخلقيتي؛ أنا لست مصابا بمرض بيولوجي أو غير ذلك من أكاذيب واتهامات؛ أنا مثلي جنسي طبيعي خلقني الله لأكون هكذا وهو راض عن مثليتي؛ أنا مثلي وأستحق العيش بأمان وكرامة وعلانية وسلام.
وهكذا يبدأ الطريق؛ فمن تحت الثرى أحبتي الى الثريا والعلى!



لماذا هذا العمل؟
حياتي كملتزم مسلم يحث على تطبيق شعائر الله وكسب رضاه ومثلي جنسي في نفس الوقت كانت مزدحمة بالتساؤلات التي لم أجد لها حلولا أو أجوبة، والرحلة كانت طويلة ومؤلمة. فإذا كانت قصتي وما تحدثت عنه أو بعضاً منه مألوفا إليك، فأنت على علم حقيقي بالمعناة التي يخوضها الواحد المثلي منا في أوساطنا العربية والمسلمة والتي لا تعي قضيتنا أو حقيقتنا في الوجود. هذا العمل هو ليجيب عن تلك الأسئلة ولأن يمهد الطريق لمن هم من بعدي. فالمثلية الجنسية في مفاهيمنا العربية والاسلامية هي مفهوم من الماضي  وضحية لقرون من جهلٍ علمي لغوي عرفي وديني، ومعقدة في تكوينها واستيعابها، وهذا ما سأتطرق اليه في موضوع الوحدة القادمة. ولذلك فعلينا بأن نغير الماضي ونبدأ جهادنا في التوعية حول هذا الموضوع، فلا بد للجهل أن يزول وللظلم أن يندمل.
وأما عن الحاضر، فإن صراعنا كمثليين في محيطاتنا العربية والاسلامية هو في الحقيقة صراعين: صراعنا الأول والأساسي هو صراع لاثبات وجودنا بهوياتنا المثلية المتعددة، كخلق طبيعي من صنع الله وإرادته ومعترف به في العلم والدين، وعملي هذا هو خطوة أولية في هذا المنطلق، والصراع الآخر، المكمل والملازم له، هو الصراع لحمايتنا والدفاع عن حقوقنا، وهذا ما تقوم به الآن منظمات عديدة في حقوق الإنسان وكثيرا من الناشطين في هذا المجال.
ولكنّ صراعنا الأولي في الوجود هو ليس بالأمر الهيّن إذ أنه يتطلب منا أن نكون مرئيين لغيرنا من أجل أن نطالب بحقوقنا الشرعية والدستورية وغيرها، وأن لا نعتمد في ذلك على الغير، فأين هم أولئك المثليين العرب والمسلمين الذين يطالبون بحقوقهم في أوساطنا الاجتماعية الشتى؟ هم أناس موجودين ولكنهم غير مرئيين!  ولكن كيف لنا أن نظهر علما بأن "رؤيتنا" في الأوضاع الحالية هي أيضا خطر على حياة الأغلبية منا؟ أنا أرى أننا بحاجة ماسة الى معادلة بين تغيير الاتجاه الثقافي والديني في هذا الموضوع لدرجة تعطينا الامان الكافي بالظهور والإعتراف بنا ومن دون أن نقتل (صراع الوجود)، وهذا العمل وغيره من الأعمال المتشابهة هم على سعي من ذلك، وأن نبقى على مطالبة في نفس الوقت في حقوقنا القانونية الدستورية والشرعية لحمايتنا والدفاع عنا (صراع الدفاع عن الحقوق). فالرقي الى المساواة والعدالة في أوساطنا يتطلب من هذين الصراعين أن يتكؤا على بعضهم البعض وأن يسعوا سوية في نبل وكفاح.
يهدف هذا العمل ببساطة الى بدأ الحوار البنّاء الذي من شأنه أن ينقل المحادثة من عتمة في الماضي الى نور في الحاضر، ولأن يُوضّح موضوع المثلية الجنسية توضيحا حقيقيا في الشريعة الإسلامية والحياة. هذا لأن ما نحن عليه من جهالة في هذا الموضوع، وما "نعيه" من "وعي" ديني وعلمي وثقافي في أوساطنا العربية والإسلامية، هو ليس وعيا حقيقيا بل من التضليل، وليس من "الطبيعة" بل من "التطبيع".
والله ولي التوفيق
ترقبوا الوحدة القادمة عن الأسباب التي أدت الى تخلف الأمة العربية والإسلامية في موضوع المثلية الجنسية والمتوقع نشرها في الأول من الشهر القادم. التعليق مشكور، واذا أحببت ما قرأت، فانشره مع غيرك لتعم الفائدة واضغط على زر LIKE على صفحتنا في الفيسبوك بالأسفل وشكرا للمتابعة.
 clip_image001[1]

الجزء الثاني المثلية الجنسية في العلم الحديث
clip_image019
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"
الله عز وجل ١
"إن كل تدين يجافي العلم، ويخاصم الفكر، ويرفض عقد صلح شريف مع الحياة هو تدين فقد صلاحيته للبقاء، التدين الحقيقي ليس جسداً مهزولاً من طول الجوع والسهر، ولكنه جسد مُفعم بالقوة التي تسعفه الى أداء الواجبات الثقال، مُفعم بالأشواق الى الحلال الطيب من متاع الحياة."
الشيخ والمفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله ٢
"...حتى الذي أمامنا جسديا هو ذكر، هرمونيا هو ذكر، لكنه من الداخل أنثى، له حق أن يحيى أنثى، بل أقولها بكل جرأة يجب أن يحيى أنثى. المجتمع...لا تُحاكمني أنا وجدنا آبائنا على أمة، لا تُحاكمي الى افتراضات، لا تُحاكمني. [ولكن] حاكمني الى العلم، حاورني. علمني أبي وعلمتني أمي أن أقارع الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة...أما أن أقول والله كان وما كان والناس وشو نسوي بالناس، ليس هذا لغة العلم وليست لغة الدين وليست لغة الفكر والثقافة...أبدا مُطلقا...نفكر بمصالحنا ولا نُفكر بحقوقهم..."
الشيخ والدكتور طارق الحبيب ٣
الوحدة الرابعة
الهوية الجنسية ومكانتها في التشريع الإسلامي
عند نقاشنا للجنس وما يتعلق به من أمور حياتية في آوساطنا العربية والإسلامية، إما لأسباب رسمية خلال حديثنا عنه لأهدافٍ تعليمية منهجية ولفهم الأحكام الدينية الشرعية المتعلقة به (كأحكام الزواج ومعاملاته وغيرها)، أو لأسباب غير رسمية كتطرقنا اليه خلال محادثاتنا اليومية،  فإن حديثنا بالغالب يُصغّر مفهومنا عنه الى "الإدراك" الوحيد الآتي: الناس من ناحية بيولوجية جنسية هم إما عبارة عن فئة من جنس الذكور أو فئة من جنس الإناث، وأن الإختلافات الجنسية بينهم تقتصر على أن الذكر يميل الى الأنثى في شهوته الجنسية والى الأنثى فقط، وأن الأنثى تميل الى الذكر في شهوتها الجنسية والى الذكر فقط. وبناءً على ذلك فإن مفهومنا للهوية الجنسية ككائنات بشرية جنسية وما يحتويه عليه تعريفنا لها تقيدا من هذا "الإدراك"، يقتصر في فهمه ومضمونه على ثنائية من الجنس البيولوجي (ذكر أو أنثى) وثنائية من الميول المغاير (الذكر يشتهي الأنثى والأنثى تشتهي الذكر). إضافة الى ذلك، فإن أي أمرٍ يخالف إدراكنا هذا للقضية إنما يعتبر أمرا مَرضيا في حاجة الى علاج أو أنه مخالف للفطرة والطبيعة والعادة. وبينما أن فهمنا هذا للهوية الجنسية في أوساطنا العربية والإسلامية يبدو فهما منغرسا كحقيقة غير متزعزعة أو قابلة للتبديل، إلا أنه فهم غير دقيق إذ أن التنوعات الجنسية الخلقية هي فطرية في ماهيتها وموجودة ليس عن نفيها من الطبيعة مجال. لا الثنائية في الجنس-البيولوجي هي ثنائية في حقيقتها، ولا الإختلافات الجنسية بين تلك الفئات الجنسية البيولوجية هي دائمة السير في ضمن سياق الصورة النمطية المُبتَذَلة لها في شتى محيطاتها، متوحدة التغاير في ميولها، أو تقتصرعلى الميول الجنسي في تعريفها.
فما هي الهوية الجنسية إذن وما الذي تتضمنه في جُعبتها، وأين هو المكان الذي تحتله المثلية الجنسية والتنوعات الجنسية الأخرى من ذلك كله في العلم والحقيقة؟




الهوية الجنسية
تعريف
تُعَرَفُ الهوية الجنسية بطرق عِدة، إلا أن أي تعريف لها لا يشتمل في دلالاته على التفاعل بين علم الأحياء (Biology) وعلم النفس (Psychology) والبيئات الإجتماعية (Social Environments)، كجزء لا يتجزأ من ذلك التعريف، إنما هو تعريف يفتقر الشمول في ماهيته ومضمونه. وبناء على هذا فإنني سأعرف الهوية الجنسية هنا على أنها إحساس ذاتي من الشخص حول طبيعته الجنسية، بالمقارنة مع غيره، نتيجة للتفاعل بين جنسه البيولوجي الخلقي (biological-sex)، مع هويته الجندرية (gender-identity)، في سياق البيئة الإجتماعية والزمنية التي يعيش فيها (social environment).  ما أقصده في البيولوجية-الجنسية هنا هو الإشارة الى جنس الشخص البيولوجي ككونه ذكرا نمطيا أم أنثى نمطية أم غير ذلك والى كل ما قد يفرق التنوعات الجنسية من ناحية بيولوجية. أما عن مصطلح الهوية الجندرية، فإنه يشير ليس فقط الى مرحلة التطور النفسي للفرد بناءً على بنيته البيولوجية بكل ما هو متعلق بالجندر [مجموعة السمات أو الميزات النفسية البيولوجية (psychological traits) التي هي معروفة باختلافها بين الأنواع الجنسية البيولوجية 1، كاختلافاتهم في طريقة التفكير والشعور والتصرفات]، ولكن أيضاً الى تفاعلات الشخص مع بيئته الإجتماعية المحيطة وما ينتج عن ذلك من تأثرات نفسية. هذا ويشير مصطلح البيئة الإجتماعية الى المحيط المباشر المجسد من حول الأشخاص والذي يلعب دورا في التأثير عليهم كوجود أماكن عبادة معينة مثلا ومعالم طبيعية وغيرها، والى العلاقات الإجتماعية بينهم والى الأوساط الثقافية التي في إطارها تعمل وتتفاعل مجموعة معينة مُعَرَفَةٌ من الناس (كالثقافة المُشتَركة بين أفراد المجتمع الواحد حول موضوع معين على سبيل المثال) 2.  سأقوم بشرح مُفصل لهذه المكونات خلال تطرقي الى كل منها في هذه الوحدة الرابعة من هذا الكتاب.
ولكن قبل انتقالي للتحدث عن مكونات الهوية الجنسية، فلا بد من التنويه الى أهميتها. تلعب هوية الشخص الجنسية دورا أساسيا في حياة الناس بلا شك إذ أن كثيرا مما نقوم به يتمحور حول الجنس في المجتمعات التي نعيش فيها، إلا أن فهم الكثيرين للهوية الجنسية هو أمر محدود ومُعقد بعض الشيء، ليس فقط في أوساطنا العربية والإسلامية بل أيضاً لغيرنا في شتى الأوساط.  بما أن أغلب الناس يتشابهون بالفعل في تكوينهم الجنسي البيولوجي وفي تصرفاتهم الجندرية في سياق بيئاتهم الإجتماعية في أي وقت وأي زمن، فإنه من السهل تجاهل الأقليات الإجتماعية الأخرى التي هي على اختلافات جنسية عن الأغلبية من حولهم، أو فهمهم أو حتى الإعتراف بوجودهم كتنوعات طبيعية.  وبالتالي، فإن هذا الجهل الحاصل عن الأقليات الجنسية بمختلف أشكالها كان ويكون مصدرا للظلم وعدم المساواة الإجتماعية في الشرق والغرب وفي سائر الأقطار.  ومن هنا تكمن أهمية التوعية حول هذه الأطروحة إذ أنه أمر مهم وغاية لا بد من السعي الى تحقيقها.
الخصائص المكونة للهوية الجنسية
هناك مجموعتين رئيسيتين من الخصائص التي تتفاعل مع بعضهما مكونة إدراكنا البشري للهوية الجنسية: الأولى هي الجنس-البيولوجي، والثانية هي الجندر.  سأوضح كلاهما على حدة مبتدأ بالجنس البيولوجي.
الجنس-البيولوجي (Biological-Sex)
الجنس-البيولوجي هو عنصر أساسي في تكوين هوية الشخص الفردية الجنسية لأنها غالبا تحدد العديد من تجاربه الحياتية، إذ أن تجارب الذكر تختلف عن تجارب الأنثى وعن تجارب غيرهم في المجتمعات التي نعيش فيها. فما هو الجنس-البيولوجي؟
قد نوهت لكم سابقا أن هناك مفاهيم خاطئة شائعة تصنف الطبيعة في الجنس-البيولوجي عند الكثيرين من الناس الى صنف نمطي من الذكور أو صنف نمطي من الإناث ومقتصرة في ذلك المفهوم على النمطية من الإناث ونمطية من الذكور.  بالإضافة الى ذلك، فإن ظهور الصفات البيولوجية الذكرية أو الأنثوية في شخص ما يُحتم عدم ظهور الصفات البيولوجية المقرونة مع الجنس الأخر. الناس إما ذكور فحسب أو إناث فحسب وإن أي شيء لا يطابق ذلك التصنيف المُحَدِدُ لما هو من "الطبيعة والفطرة" من الجنس البيولوجي، يعتبر أمرا من الشذوذ أو علة مرضية أو عار.  الفكرة هنا هي أن وجود الذكور والإناث وتغايرهم في الميول الجنسي هو أمر حتمي لاستمرار الحياة على هذه الأرض وهم أيضاً  النتيجة  الطبيعية والوحيدة من عملية التكاثر والتناسل التي هم آليتها إذ أنهم المحرك الوحيد الذي من خلاله استخلف الله عبادة على هذه الأرض. ومع أن بيولوجية الجنس الذكري تختلف نوعا ما عن بيولوجية الجنس الأنثوي، إلا أن كلاهما مكمل وضروري للآخر. ومن هذا المنطلق، فإن عملية التناسل الناجح الناتجة عن الميول المغاير في النمطية الجنسية البيولوجية والتي "لا بد" أن تؤدي الى نمطية من الذكور والإناث من مغايري الجنس، هي الغاية العظمى من وجودنا في هذا الكون ومعيار للطبيعة تقارن به كل التنوعات الجنسية الأخرى. فإذا لا يؤدي وجود بعض الكائنات الحية و/أو تصرفاتهم الجنسية الى تكاثر نسلي ناجح بطريقة أو بأخرى، فإنهم إذا على علة مرضية وبحاجة الى علاج (كالذي يسمى "بالخنثى" أو "مزدوجي الجنس" أو حتى العقيم الذي لا ينجب الأولاد)، أو متمردون عن الطبيعة ومحكوم عليهم بالانقراض (كمثليي الجنس)، أو كلاهما. هؤلاء الخارجون عن الطبيعة لا يمكنهم إيجاد النسل وبذلك لا يُورثُ وجودهم في الأرض ويُحكم على أمثالهم بالإنقراض. ولكن، إن وجود بعض "الأنواع" البشرية من اللذين لا يؤدي وجودهم أو أفعالهم الجنسية بالضرورة الى تناسل وتكاثر (كأغلبية أعضاء المجتمع المثلي)، ووجود بعض الصفات البيولوجية في الطبيعة (كالمثلية الجنسية مثلا) قد قاوم الإنقراض وبقي مستقراً وجوده طيلة الأزمان. هناك آليات بيولوجية محتملة لتفسير استقرار وجودهم وعدم انقراضهم خارجا عن النطاق السطحي لآليات التناسل المعهود 1 وهي قضية سأزورها لاحقا في إطار الوحدة القادمة.
إن أغلب الناس ينتمون بالفعل الى ما نطلق عليه بفئة الذكور أو فئة الإناث من الناحية البيولوجية الجنسية، وأغلبهم أيضاً على قدرة للتكاثر وإيجاد النسل، ولكن الأغلبية من الناس هي ليست كل الناس.  هناك أناس مثلا يخلقون على "خليط" من الصفات البيولوجية التي نعهدها بالعادة إما عند الذكور أو إما عند الإناث وعلى عكس ما يؤمن به الكثيرون، هم ليسوا خطئا في الطبيعة أو نتيجة غير مقصودة. يمكن ملاحظة وجود هذه "الثنائية" الجنسية البيولوجية عند بعض الأشخاص مباشرة عند لحظة الولادة أو يمكن إدراكها في المراحل الأولى وما بعدها من نمو الجنين قبل الولادة، أو لاحقا في أي مرحلة في حياة الشخص بعد ذلك. يُعرف الأشخاص الذين هم على درجة ما من " الثنائية" في الجنس البيولوجي في اللغة الإنجليزية بالإنترسيكشوالز (Intersexuals). المصطلح الذي استخدمناه تاريخيا في اللغة العربية للإشارة الى هؤلاء الأشخاص هو الخنثى، والذي هو نوعان في الفقه الإسلامي، الخنثى الواضح جنسه البيولوجي فهو إما أقرب للذكر أو أقرب للأنثى فيتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بالجنس الذي هو أقرب اليه، والخنثى المُشْكِل الذي يصعب تحديد تصنيفه الى فئة الذكور أو فئة الإناث ٤. ولكن كلمة خنثى هي كلمة جارحة في دلالتها ولذلك يتم حديثا ترجمة إنترسيكشوال من الإنجليزية الى العربية بمصطلح آخر في هدفه الإصلاح، هو مصطلح ثنائية الجنس. ولكن كما سيتوضح لاحقا، حتى هذا المصطلح هو مصطلح غير صحيح.  أقول بأن ذلك هو ترجمة خاطئة لأن التعبير الإنجليزي هو مستنبط من اللغة اللاتينية ويعني "بين-الجنسيين" وليس ثنائي الجنسين. هناك فرق في المعنى يجعل تعبير "بين-الجنسيين"، ومع أنه أيضاً تعريفا ليس دقيقا، تعبيرا أقرب للصحة وسأوضح هذا في الفقرات القادمة. ولذلك، أنا لن أستخدم تعبير ثنائي-الجنس في إشارتي الى أولئك الأشخاص لما في ذلك من جهل في المعنى ولا كلمة خنثى لما في ذلك من جهل في الطبيعة وتجريح للأشخاص، بل سأستخدم مرادفا عربيا آخراً أوجدته لكلمة الإنترسيكشيوال ألا وهو مصطلح "بيني-الجنس." البينية-الجنسية اضافة الى ذلك هي ظاهرة متعددة الأشكال وذو درجات وتنوعات مختلفة.
دعونا الآن ننظر الى العوامل التي نصنفُ ونفرقُ من خلالها الذكر من الأنثى من بيني-الجنس من ناحية بيولوجية والتي يمكن ملاحظتها عبر تسلسل زمني مكون من أربعة مراحل على الأقل: مرحلة إكتساب الجينات؛ مرحلة تكوين الخصيتين والمبيضين أو غيرهما؛ مرحلة إفراز الهرمونات؛ ومرحلة تكوين وظهور الأعضاء الجنسية. هذه المراحل كلها تعمل في نظام متواصل مع بعضها، تعتمد على بعضها البعض، وليست عوامل مستقلة بذواتها. ففي بداية التسلسل الزمني في حياة الشخص فإنه يبدأ بتركيبة جينية محددة مورثة من أبويه ومحددة لجنسه الكروموسومي (سأعرف هذا في الفقرات القادمة)، والذي يلعب بدوره وظيفة مهمة في كل النواحي البيولوجية اللاحقة من حياة الشخص؛ الجنس الكروموسومي بالتالي يحدد تطور الخصيتين أو المبيضين آو غير ذلك؛ هذا التحديد بدوره يؤثر في نوعية وكمية الهرمونات التي يفرزها الجنين في تلك المرحلة؛ هذه الهرمونات التي تسير في المجرى الدموي حينها تؤثر في تكوين الأعضاء الجسمية والتي تتضمن الدماغ والأعضاء الجنسية وغيرها. سأقوم بشرح سريع لهذه المراحل الأربعة ونتائجها في هذه الوحدة وما أغطيه هنا من معلومات علمية سيكون لبنة أساسية للمعلومات العلمية التي سأقوم بنقلها في الوحدة القادمة عن المثلية الجنسية وطبيعتها في المنظور العلمي الحديث.  لكن قبل أن أكمل كلامي عن هذا الموضوع، فإن هنالك توضيحا أو جَلاءً علي تقديمه في الفقرات التالية حول اختياري واستخدامي لكثير من المصطلحات العلمية والطبية.
التنوعات الجنسية البيولوجية الغير معهودة هي ليست تنوعات مرضية
clip_image020
عند وصفنا للتطورات البيولوجية التي تفرق الأشخاص على أنهم من أعضاء جنس بيولوجي معين أو من آخر، فإننا نستخدم منذ وقت قديم وحتى عصرنا هذا كثيرا من التعابير الجارحة للأشخاص الذين حصل وكانوا على اختلاف خلقي مقارنة مع أغلبية الناس من حولهم.  فترانا مثلا نلقب كثيرا من التطورات الخلقية من مبدأ مبني على حكم منا عليها على أنها تطورات مرضية تحتاج الى تشخيص وعلاج.  إن هناك بالفعل أمراض بيولوجية قد تعتبر تطورية أو خلقية في جذورها عند الأشخاص والذي نعنيه بذلك هو أنها على أصول جينية وبيولوجية تؤدي الى ظهورها أحيانا كاحتضان الجنين لمرض السرطان أو مرض باركنسون مثلا وغيرهم الكثير. وأنا أوفقكم الرأي هنا بأن هذه المعضلات هي أمراض يجب معالجتها إذا أمكن. ولكن، لا يجب معاملة التنوعات البيولوجية الخلقية الغير نمطية على نفس النهج وعلى أنها أمراض تحتاج الى علاج. هناك فرق أساسي في رأيي بين التنوعات البيولوجية الغير نمطية وبين الأمراض البيولوجية التطورية. ولفهم ما أعنيه هنا، فقد يكون من الضروري أن نتمحص في تعريفنا لكلمة "إنسان" وعلاقة ذلك بالجنس البيولوجي، فما هو الإنسان؟
الإنسان هو أشياءً كثيرة ولكن من إحدى الطرق التي يمكننا النظر اليها لتعريف الإنسان هي على أنه كائن حي جنسي مُستضيف لعدة خصائص بيولوجية تُفرقه عن غيره من الكائنات الحية وحتى عن غيره من بني جنسه الإنسان. هذه الصفات البيولوجية تشمل احتوائه على أو استضافته الى النمطية عند الإنسان من الدماغ والقلب والرئتين والكليتين وعلى تنوع من الأعضاء التناسلية فيه وغير ذلك الكثير. وبما أن الإنسان جمعا كان لديه دماغ وقلب وأعضاء تنفسية متشابهة وهكذا، ولكنه تنوع من ناحية الأعضاء الجنسية بشكل واضح إذ أنه لم يكن من نوع جنسي بيولوجي واحد حيث أن هناك الذكور وهناك الإناث مثلا، ولأهمية هذا التنوع في استمرارية الإنسانية وغيرها من المملكات الحيوانية، فقد لعبت وتلعب الخصائص الجنسية البيولوجية دورا لا يتجزأ من تعريفنا لإنسانية الأشخاص وأدوارهم الإجتماعية . هذا بالتالي كان أساسا لتنظيم الحياة بين الناس من عبادات ومعاملات في كل ما تنزل من أديان سماوية وفي كل ما جاء من حضارات. قل للذكر ًانت لست بالذكر وانظر كيف تجرحه، وقل للأنثى ًانت لست بالأنثى وانظر كيف تجرحها! إذن فالجنس البيولوجي هو جزءا لا يتجزأ من تعريفنا للإنسان وإنسانيته. 
هنالك فرق كبير بين التنوعات البيولوجية الجنسية التطورية الخلقية وبين الأمراض البيولوجية التي قد تكون خلقية تطورية. فبينما مرض السرطان وأمثاله من الأمراض قد يكونوا ذو منبع بيولوجي تطوري عند الإنسان، إلا أنهم ليسوا نفس النوع من التطورات الخلقية التي نتحدث عنها عند كلامنا عن التنوعات البيولوجية الجنسية الغير نمطية.  مرض السرطان وأمثاله هم فقط جزء بسيطٌ من وجود الإنسان ولا نُعرف من خلالهم إنسانية الأشخاص.  أي أن السرطان هو ليس "الإنسان" ولكن جزءً بسيطا من وجود الإنسان إذ أنه مرض يستضيفه الإنسان (المرض هو ضيف يستضيفه الإنسان). لا نقول مثلا أن السرطان لديه صبي (إنسان) ولكن نقول أن الصبي لديه سرطان (مرض). أي أننا لا نُصَغِرُ إنسانية الأشخاص الى أمراض في هذه الحالات، فعنما يولدوا الأشخاص بمرض السرطان فإننا لا نفكر بهم آو بوجودهم وطبيعتهم على أن إنسانيتهم هي نزوة أو شذوذ ولكننا نفكر بهم على أنهم إنسان من ذكور أو إناث ذو ابتلاء مرضي فقط. هذا طبعا ليس ما يحصل عنما يكون المولود على تنوع جنسي بيولوجي غير نمطي والذين يُصفون بالعادة على أنهم نزوات خلقية واضطرابات فطرية ويطعنون أولا في إنسانيتهم قبل أي شيء آخر (فكما وصفت لكم، الجنس البيولوجي هو جزء لا يتجزأ من تعريف الإنسان وإنسانيته).  هذا لأن الشيء الذي لا نتقبله هنا هو ليس الضيف المرضي الذي يستضيفه الإنسان (المرض السرطاني مثلا) وإنما المستضيف نفسه ووجوده (الإنسان وشرعية وجوده على ذلك الحال). وبهذا فإننا نضع المستضيف الطبيعي حتى في مرتبة أقل من الضيف المتطفل بدلا من تقبل وفهم وتطبيع المستضيف بتنوعه وجماله الخلقي. الآتي هو بعض المراقبات التي قمت بتحليلها واستنباطها:
أ. السرطان وغيره من الأمراض هم ليسوا كائنات حية ولكنهم ضيوف متطفلة (غير مرحب بهم عادة) تستضيفها الكائنات الحية، ولكن التنوعات البيولوجية بشتى تنوعاتها الجنسية البيولوجية من الذكور والإناث وبيني الجنس هم كائنات حية.
ب. لا وجود للكائن الحي، لا وجود للمرض. المُستضاف لا بد له من مُضيف. كل من الذكر والأنثى وبيني الجنس قد يصابوا بمرض السرطان ولكن السرطان لا يمكن وجوده باستقلالية عن الكائنات الحية وبالأخص عن التنوعات البيولوجية عند الإنسان.
ت. الأمراض تصيب جميع التنوعات البيولوجية ولا تفرق إذا كان الشخص ذكر أو أنثى أو بيني الجنس، ولكن التنوع البيولوجي هو حالة معنية بذلك التنوع البيولوجي ولا يصيب أي تنوع بيولوجي جنسي آخر
ث. تعريفنا بأن وجود بعض الكائنات الحية هو نفسه مرض، كوجود بينيي الجنس، هو أمر غير مقبول. هذا يعني أن قولنا أن من هم ليسوا بالذكور أو بالإناث هم مرض، أي أنهم كإنسان هم مرض، أي أنهم كمستضيفين لبعض الأمراض هم مرض، هو أمر غير مقبول. من أنا ومن ًانت لنحكم على وجودهم وتنوعهم الخلقي بأنه مرض وتجبرهم على أن يعيشوا ضمن ما نعهده من نمطية في الذكور والإناث وخلافا لطبيعتهم إذا كانت الطبيعة والخالق هم من أرادوا وجودهم وتنوعهم؟
ج. التنوع البيولوجي بأنواعه ينتج من خلال نفس العملية أو الميكانيكية البيولوجية التي نفرق بها بين الذكر والأنثى وبيني الجنس ولذلك فالبينية الجنسية هي على نفس المستوى في الشرعية من الوجود ولا يوجد هناك أي قوانين كونية تحتم أن الطبيعة فقط هي في المنتوج الذكري والمنتوج الأنثوي، ولذلك فلا يوجد أي سبب يجعل هذه التنوعات البيولوجية أكثر شرعية من غيرها، سوى مفاهيمنا الخاطئة عن هذا الموضوع وجهلنا به والذي هو واجب علينا تغييره.
ح. قد تكون هناك أمراض حاصلة الحدوث مع تنوع بيولوجي معين أكثر من غيره، ولكنها أمراض تصيب أي تنوع بيولوجي آخر، وقصة أنها ترتبط مع تنوع بيولوجي محدد أكثر من غيره لا يجعل ذلك التنوع البيولوجي مرضا بحد ذاته ويجب معاملة صاحبه كإنسان قبل كل شيء. كل إنسان لديه تحديات، مرضية أو غيرها، ونصيب تحدياتنا في الحياة يختلف من شخص الى آخر. وبهذا، فكما ننظر الى الذكر والأنثى، لا بد لنا أن ننظر بالمثل الى بيني الجنس، على أنهم ليسوا مرضا في حد ذاتهم أو ننظر لهم من معيار مرضي محدد لشرعية وجودهم، ولكن كتنوع جنسي بيولوجي مستقل، بحالات متعددة قد تكون بحاجة الى مراقبة وعلاج طبي وقد لا تكون. نعاملهم كإنسان أولا ثم ننظر الى ما عندهم من تحديات ثانيا. هناك من هم من بيني الجنس ممن يعيشون حياة نمطية وقد لا يحتاجون الى أي تدخل طبي متعلق بجنسهم البيولوجي 3 وهناك منهم على نمطية ذكرية وأنثوية ويعيشون حياتهم رهنا للعلاج.
وبناء على هذه الأسباب، فأنا أؤمن بأن التنوعات الجنسية البيولوجية ليست أمراضا ولن أستخدم كثيرا من المصطلحات التقليدية المتعلقة بهذا الموضوع لأنها في غالب الأحيان تُحقر إنسانية الشخص الذي ينتسب اليه الامر الى إنسانية عاطلة غير ذو قيمة.  فعلى سبيل المثال، أنا لست مناصرا لاستخدام كلمة "متلازمة" عند الإشارة الى اختلافات تطورية خلقية بيولوجية كما هو الحال في قولنا متلازمة كلينفلتر (Klienfelter Syndrome) ومتلازمة ترنر (Turner's Syndrome) والتي تستخدم كنظير لكلمة مرض ما ومرادفها الإنجليزي سيندروم (syndrome). لا أرى مانعا لاستخدامهم للإشارة الى الأمراض الحقيقية كاستخدامنا لكلمة متلازمة أحيانا في قولنا متلازمة نقص المناعة المكتسبة، ولكن ليس الى التطورات الخلقية الطبيعية المتعلقة بالجنس البيولوجي. وبينما أعتقد أن أهل الطب والباحثون العلميون لا نية لهم بالإساءة الى الأشخاص المعنيين بهذه التطورات الخلقية عند اختيارهم لتلك الألقاب، وأنهم فقط يشيرون الى الحالة العلمية وليس للإنسانية الأشخاص نفسهم، كيف يفسر ذلك التلقيب بين الناس وفي حياتنا اليومية هو شيء مختلف تماماً.  أغلب الناس توافق على أنه يجب احترام الآخرين بغض النظر عن اختلافاتهم وتحدياتهم في الحياة، ويجب أن يكون هذا مسؤوليتنا جميعا وأن نطبقه على الجميع. الحاجة الى الرعاية الصحية أو غيرها من التدخلات الحياتية لتوفير نوعية حياة أفضل للأشخاص لا يجعل أيا من أقل إنسانية عن الآخرين، سواء كان المسبب تطوريا او مرضيا مكتسبا، وعلينا أن نضع ذلك في عين الإعتبار عند معاملتنا مع الآخرين. من منا لم يواجه صعوبات وتحديات في هذه الحياة، مرضية أو غيرها؟ لا بد من إحترام التنوعات الخلقية في الطبيعة. في الحقيقة، ومع أني أقترحتها بنفسي وأستخدمها لعدم وجود مرادف بديل أفضل في هذا الوقت، إلا أنني لست متحمسا لاستخدام مصطلح البينية-الجنسية أيضاً للإشارة لمن هم ليسوا ذكورا أو إناثا، لأنها توحي "ببينية" بين الجنسيين الذكر والأنثى ونقص في استقلاليتها كظاهرة منفردة. الحقيقة هي أنه حتى الإشارة الى الأشخاص "البينيين" على أنهم عبارة عن خليط من الذكر والأنثى هي ليست إشارة دقيقة إذا أن بعض الخصائص البيولوجية عند هؤلاء الأشخاص كتكوينهم الجيني مثلا هو ليس دائماً بيني المعيار بين الذكر والأنثى وهو أيضاً جهل منا لان هذا اللقب يصب ويغذي المنشأة الإجتماعية (social-construct) التي كانت سببا في ظلمنا نحوهم والإستمرار في جهلنا عنهم في أول الأساس. أنا لست وحيدا على هذا الموقف ويستطيع القارئ أن يشعر هذا الإستياء في عنوان كتاب قصة حياة البينية الجنسية ثيا هيلمن مثلا والذي عنوانه 4 هو "البينية الجنسية (لعدم وجود مصطلح أفضل)" Intersex (For the Lack of a Better Word)h.
التنوع البيولوجي بين الأشخاص بشتى اختلافاته، أحبتي، هو جزء لا يتجزأ من وجودنا البشري الطبيعي.  هناك مفهوم مفيد جداً في علم الإحصائيات (Statistics) وخاصة في ضمن ما يسمى بنظرية الإحتمال (Probability Theory)، يدعى بمفهوم "التوزيع الطبيعي" (Normal Distribution) ويستخدم كثيرا في العلوم التطبيقية  والإجتماعية وغيرها عند دراسة المتغيرات العشوائية (Random Variables) في السكان والتي هي متغيرات ذو قيمة تتغير طبقا للصدفة (تستطيع أن تسمي ذلك إرادة الله بدلا من الصدفة) . طول الأشخاص الذكور البالغين مثلا هو متغير عشوائي ويختلف من شخص لشخص بناء على "الصدفة" والتي نعني بها العوامل "العشوائية" التي تؤدي الى طول الشخص كبنيته الجينية وماهية الجينات التي حصل عليها من الأب والأم في بداية تكوينه، والغذاء المتوفر له وهكذا. الطولُ إضافة الى ذلك هو متغير عشوائي مستمر (continuous random variable)، والذي نعنيه بذلك هو أن طول الأشخاص يمكن أن يأخذ أي قيمة بين ما نعتبره قصيرا جداً وطويلا جداً. فإذا كان الطول الممكن للأشخاص هو بين ١٥٠ سم و ٢٠٠ سم، على سبيل المثال، فإن طول الأشخاص لا يقتصر على قيم محددة أو أعداد صحيحة (خالية من الكسور) ولا يكونوا جميعا ١٥٠ سم، أو ١٦٠ سم، أو ٢٠٠ سم وهكذا، بل يمكن أن يأخذ طول الشخص أي قيمة بين ١٥٠ سم و ٢٠٠ سم. قد يكون مثلا طول الشخص ١٥١.٤٥٦٧سم  أو ١٩٦.٤٥٦ سم وهكذا. فخاصية الطول إذا هي متغير عشوائي مستمر. الآن، إذا قمنا بقياس طول الذكور البالغين في السكان في مكان ما من خلال قياس عينة كبيرة عشوائية ومناسبة، فإننا سنلاحظ أن طول الذكور البالغين يتبع قانون "التوزيع الطبيعي" إذ أن أغلبية الذكور البالغين سيكون طولهم ذو قيمة متوسطة (الأغلبية)، ولكن هناك ذكور بالغين في ذلك المكان ممن هم على قصر في الطول شديد وهناك ممن هم ذو طول فارع، وكلاهما أقلية 5.  كلما قل شيوع صفة معينة في الطبيعة كلما قل ظهورها بين السكان. ولكن هذا لا يعني أن عدم شيوع صفة معينة بين السكان على أنه أمر ليس من الطبيعة، بل هو كذلك ولكن بأقلية في الحدوث والظهور. هل نستطيع أن نقول أن القصيرين جدا أو الطويلين جدا هم لديهم متلازمة في القصر أو في الطول أو أنهم غير طبيعيين؟ لا! من نحن لنحكم على إنسانيتهم بناء على إختلافهم التطوري الخلقي؟ نحن حتى في علم الإحصاء نسمي ندرة ظهور هذه الصفات جزءا من التوزيع الطبيعي ولا ننسبها الى توزيع خارج عن الطبيعة. قد يكون ظهور هذه الصفات عند الأشخاص ميزة أو عقبة في المحيطات التي يعيشون فيها ولكنها ليست جيدة أو سيئة أو حسنة أو نكرة. قد يكون أمرا جيدا بأن ننظر الى إختلافاتنا في الجنس البيولوجي بطريقة مماثلة. وبينما أنا توصلت الى هذا الإستنتاج باستقلالية من تفكيري إلا أنني وجدت دعما لها في الأبحاث التي اطلعت عليها لاحقا وقام بخوضها الباحثون 6. هذه هي الآلية التي تسير عليها الطبيعة، لا يوجد أي صفة بيولوجية متطابقة تماماً  بين السكان لأن ذلك لا يسمح للتغيرات والتنوعات البيولوجية بأن تحدث، الأمر الذي نحن بحاجة ماسة له  للتأقلم مع محيطاتنا الدائمة التغير. 
ومن هذا المنطلق، فأنا سأبدل كلمة متلازمة، اضطراب 7، خلل 8 وما شابه بكلمة "تنوع." سأفصح عن الألقاب التقليدية للأمور التي أتطرق لها بهلالان عند كل أول ذكر لذلك التنوع.
الأن سأتكلم عن عملية تمايز الجنس البيولوجي (biological-sex differentiation) الذي يسير عبر تسلسل زمني محدد يُمكن ملاحظته في أربعة مراحل: مرحلة إكتساب الجينات أو ما نسميه بعملية تحديد الجنس الكروموسومي؛ مرحلة تكوين الخصيتين والمبيضين أو غيرهما؛ مرحلة إفراز الهرمونات؛ ومرحلة تكوين وظهور الأعضاء الجنسية قبل الولادة وما بعدها. يمكن أن نطلق على المرحلة الأولى تمايز الجنس الكروموسومي  (Chromosomal sex)، وتعتبر المراحل الثلاث الأخرى في ضمن ما نسميه تمايز الأنماط الجنسية الظاهري (Phenotypic sex). الأولى تشير الى إختلاف الأنماط الجينية والثانية تشير الى جنس الشخص البيولوجي كما يُحدد من قبل شكل الأعضاء الجنسية الداخلية والخارجية.
أ. الجنس الكروموسومي
عند التفكير بين ما يفرق الذكر من الأنثى فإن من أول الإختلافات التي تأتي الى أذهاننا هو الإختلاف في تركيبهم الجيني أو ما نسميه بالنمط الوراثي الجيني للأشخاص (Genotype). فمن ناحية جينية 9، فإننا بالعادة نقول بأن الأنثى لديها كروموسومين (صبغيين) من نوع (XX) والذكر لديه كروموسوما (صبغيا) واحدا من نوع (X) وآخرا من نوع (Y). ولكن ماذا يعني هذا وما هو النمط الجيني للأشخاص وما الذي نعنيه بالكروموسومات (الصبغيات) وما هو التركيب الجيني لبيني-الجنس؟
الإنسان هو كائن متعدد الخلايا يبدأ بخلية مخصبة واحدة [البويضة المخصبة أو ما نسميه باللاقحة أو الزيجوت(zygote)] والتي نشأت عن اتحادٍ بين خليتين جنسيتين (أو جامتين) إحداهما يدعى الحيوان المنوي (الجاميت الذكري) ويأتي من الأب والأخرى تدعى البويضة (الجاميت الأنثوي) وتأتي من الأم.  عندما يتم دمج هاتين الخليتين الجنسيتين لتكوين الخلية المخصبة فيما نسميه بعملية الإخصاب (fertilization)، فإن هذه الخلية المخصبة تبدأ بسلسلة من الإنقسام الخلوي (cell-division) ينتج عنه "أعداد كبيرة من الخلايا التي تمر بأطوار مختلفة من النمو والتمايز والتخصص لتكوين الأنسجة والأعضاء والأجهزة المختلفة التي يتكون منها الفرد..." ٥:أ. تعمل هذه الأنسجة والأعضاء والأجهزة المختلفة في نظام واحد مُشَكلة في محصولها الإنسان الكامل المكون من تريليونات الخلايا 10. ولهذا، تعتبر الخلية على أنها الوحدة أو اللبنة الأساسية والوظيفية للنمو والتطور والتكاثر في الإنسان وسائر المخلوقات الحية. بالإضافة الى هذا، فإن الخلية نفسها مكونة من بضعة أجزاء تعتبر النواة (nucleus) هي أهمها. نواة الخلية هي مهمة جداً لأنها تحتوي على المادة الوراثية التي تُعَرّفُ الخصائص البيولوجية للكائنات الحية وتتحكم بجميع الصفات الجينية أو ما نسميه بالحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين (Deoxyribo-Nucleic-Acid; DNA). يتنظم هذا الحمض النووي (DNA)، بالإضافة الى بعض البروتينات [مواد بناء أساسية في الكائنات الحية وخلاياها تساهم بدورها في البناء الخلوي وعملية نقل الرسائل بين الخلايا أو الإتصال فيما بينها وغيرها 10]، على شكل تركيب بيولوجي نسميه الكروموسومات أو الأجسام الصبغية في داخل نواة الخلية، وهذه الكروموسومات هي التي يتم توريثها من الأباء الى الأبناء. تحتوي هذه الكروموسومات على أنماطنا الجينية وتلعب دور أساسيا في نقل الجينات من خلية الى خلية أخرى خلال عملية الإنقسام الخلوي ومن شخص الى آخر خلال عملية الإخصاب. الكروموسومات إذن تحمل في تركيبها كل الجينات آو الشيفرة الجينية [المعلومات الوراثية التي يحملها جزيء الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين على شكل وحدات وراثية نسميها جينات] ٥:ب، 10، التي تصف  الخصائص البيولوجية للكائنات الحية  وتتحكم بجميع الصفات الجينية التي تفرق الأشخاص عن بعضهم كصفة الطول ولون العينين والجنس- البيولوجي وغيرها.
الإنقسام الخلوي
يقوم علماء الأحياء وغيرهم بتقسيم الخلايا في جسم الإنسان الى نوعين:  الخلايا العروسية ٦(germ cells) والتي هي موجودة في الخصيتين والمبيضين حيث يتم إنتاج الخلايا الجنسية أو ما نسميه بالحيوانات المنوية والبويضات، والخلايا الجسدية (somatic cells) والتي هي جميع الخلايا الأخرى في الجسد عدا عن الخلايا العروسية وما تنتجه من خلايا جنسية 10. 
أ. الخلايا الجسدية
تُلَقَبُ الخلايا الجسدية بالخلايا ثنائية او زوجية الكروموسومات (diploid)  وتعطى علامة 2n لأن "أفراد كل نوع من أنواع الكائنات الحية تحتوي خلاياها على عدد ثابت من الكروموسومات، ويكون عدد الكروموسومات زوجيا [مرتب بشكل زوجي] في معظم الكائنات الحية عديدة الخلايا..." ٥:أ. تأتي كلمة diploid من اللغة اليونانية 11 حيث أن كلمة (ploidy) تُشير الى التعددية في نوع مجموعات الكروموسومات في نواة الخلية فبعض المخلوقات كالإنسان هو زوجي الكروموسومات (أي أن هناك نسختين متشابهتين من كل كروموسوم)، ولكن هناك مخلوقات أخرى ليست بالزوجية، وتعني كلمة (di) ضعف وبهذا فالكلمة تشير الى ضعيفة أو زوجية الكروموسومات). نقول أن الخلايا الجسدية هي زوجية الكروموسومات 2n عند الإنسان لأن كل زوج كروموسومي (لدينا ٢٣ زوج) يتكون من كروموسومين متقارنين أو متشابهين (homologous chromosomes) وبما أنه لدينا ٢٣ زوجا كروموسوميا في الخلايا الجسدية فإن ذلك يجعل المجموع الكلي للكروموسومات الفردية في داخل نواة الخلية هو ٤٦ كروموسوم (٢٣ +٢٣ =٤٦). من هذه ال٤٦ كروموسوم، ٢٣ أو نصفها يأتي أصلا من الجاميت الأنثوي من الأم (مجموعة الزوج الكروموسومي الأول)  و٢٣ أو  النصف الآخر يأتي من الجاميت الذكري من الأب (مجموعة الزوج الكروموسومي الثاني) أثناء عملية الإخصاب 10. وتترتب أفراد المجموعتين من هذه الأزواج الكروموسومية ال٢٣ مع بعضهم البعض ضمنا لتركيبهم العام ولرقم تسلسلهم 10.  " في الكائنات زوجية الكروموسومات، كل كروموسوم متورث من أحد الأباء يُوفق مع الكروموسوم المطابق له من الأب الأخر وبشكل دقيق (عدا عن الطفرات التي تؤدي الى تغيير أحد الكروموسومات)" 10.
تنقسم الخلايا الجسدية في عملية من الإنقسام الخلوي تسمى الإنقسام المتساوي (Mitosis) حيث أن الخليتين الناتجتين عن هذا الإنقسام هما أيضاً خلايا زوجية الكروموسومات وتحتوي كلاهما على ٤٦ كروموسوم مطابقا للخلية الأم 10.  الخليتين الناتجتين عن هذا الإنقسام هما مطابقتان لبعضهما والنواة داخل كل منهما هي مطابقة للنواة التي إنقسموا منها 10. هذا الإنقسام الخلوي المتساوي هو إنقسام مهم جداً لأنه يساهم في نمو وتطور الكائنات الحية إذ أنه يعوض عن الخلايا والأنسجة التالفة ويبدل الخلايا التي تموت [بليونات من الخلايا تموت كل يوم في الإنسان فيما نسميه بعملية موت الأنسجة (necrosis) أو بعملية أخرى تسمى الموت الخلوي المبرمج (apoptosis)]. هذا النوع من الإنقسام الخلوي ينقل أيضاً المادة الوراثية بشكل متطابق من الخلية الأم الى الخلية الناتجة عنها.
ب. الخلايا العروسية
النوع الآخر من الخلايا في جسم الإنسان هو الخلايا العروسية (تسمى أيضاً الخلايا الجنسية بالعربية أحيانا ولكن هذا ليس دقيقا إذ أنه وبينما أن الخلايا العروسية مسؤولة عن إنتاج الخلايا الجنسية إلا أنها ليست بخلايا جنسية بحد ذاتها). توجد هذه الخلايا العروسية في الخصيتين والمبيضين حيث يتم نشأتهم في المراحل الأولى من الإنقسام الخلوي من تكوين الجنين ويبقوا متمايزين كذلك عن باقي الخلايا في الجسم ليقوموا لاحقا بإنتاج الخلايا الجنسية كالحيوانات المنوية والبويضات  10. تحتوي هذه الخلايا العروسية أيضاً على ٤٦ كروموسوم وبهذا فإنها أيضاً خلايا زوجية الكروموسومات 2n ( ٢٣ من الأب و٢٣ من الأم)، ولكن هذه الخلايا تنقسم في عملية نسميها الإنقصام المنصف (Meiosis) حيث أن الخلايا الناتجة عن هذا الإنقسام (الخلايا الجنسية التي نربطها غالبا في عملية التناسل؛ أو الجاميتات؛ آو الحيوانات المنوية والبويضات الناضجة) هي خلايا تحتوي فقط على نسخة واحدة من الكروموسومات، أو نصف العدد من كروموسومات الخلية الآم، وتسمى (haploid) وتلقب 1n وبذلك فهي أحادية الكروموسومات أو الصبغيات محتوية فقط على نصف عدد الكروموسومات الموجودة في الخلية الجسدية أو حتي في الخلية العروسية التي نشأت منها (٢٣ كروموسوم فقط).  الخلايا الناتجة عن هذا الإنقسام هي خلايا تختلف جينيا عن بعضها البعض وعن الخلية الأم وبالعادة نلقبها بالبويضات (eggs or ovum) عند الأنثى وبالحيوانات المنوية عند الذكور (sperms). هذا الإنقصام المنصف هو إنقسام مهم جداً حيث أنه بالإضافة الى وظائفه الأخرى فإنه مسؤول أيضا عن عملية التكاثر بين الأفراد وعن عملية خلط ونقل المعلومات الجينية من الآباء الى الأولاد، الذين يكونوا بالتالي على تنوع جيني مشابه للأب والآم ولكنه ليس مطابقا لأيا منهما أو لغيرهم من الأبناء [إلا إذا كانوا توائم  متطابقة (monozygotic or identical twins) حيث أن جيناتهم تكون حينها على تنوع جيني واحد] 1. 
إذن هناك آليتين بالتحديد تساهمان في التنوع الجيني عند الأفراد، أحدهما هي الإنقسام المنصف الذي يُنتج خلايا جنسية ذو تنوع جيني مختلف عن الخلايا الجنسية الأخرى الناتجة، وأيضاً عن الأباء، ويعود هذا تحديدا الى ظاهرتين خلال عملية الإنقسام المنصف معروفين بظاهرة عملية العبور(Crossing Over) وبظاهرة أو قانون التوزيع المستقل (Independent Assortment) إذا أحببت قراءة المزيد عنهما، وأيضاً عن تنوع الأزواج نفسهم أو الأباء الذين يساهمون في عملية الإخصاب، فكل أب وكل أم لديهم شيفرات وراثية تختلف عن غيرهم 10.
آنواع، أعداد ووظائف الكروموسومات داخل نواة الخلية
عدد الكروموسومات داخل نواة الخلايا عند الإنسان، سواء خلايا جسدية أم خلايا عروسية (عدا عن الخلايا الجنسية أو الجاميتات الناتجة عنها) هو ٤٦ كروموسوم في غالب الأحيان، 2n. وهي منظمة على شكل مجموعتين من الأزواج يحتوي كلا منهما على ٢٣ كروموسوم. مجموعة واحدة من هذه الكروموسومات (٢٣ كروموسوم) يأتي من الأب والمجموعة الآخرى تأتي من الأم (٢٣ كروموسوم). الآن، يقوم علماء الأحياء وغيرهم بالتفريق بين هذه ال٢٣ زوج من الكروموسومات بشكل آخر إضافي إذ أنهم يلقبون ال ٢٢ الأولى من هذه الكروموسومات الزوجية  (٤٤ كروموسوم فردي)  بالكروموسومات الجسدية (somatic chromosomes or autosomes) لأنها تتحكم بأغلب المعلومات الوراثية المتعلقة بالجسد وصفاته ووظائفه عدا عن التحكم بالجنس البيولوجي عند الإنسان. أما عن الزوج الكروموسومي الأخير رقم ٢٣ فإنهم يلقبونه بالزوج الكروموسوم الجنسي (sex chromosomes) إذ أنه يتحكم بشكل رئيسي بالجنس البيولوجي عند الأشخاص. هذا الزوج الكروموسومي هو ما نسميه بالغالب ب (XX) أو ب (XY) وهو أيضا السبب في قولنا أن الذكر هو على النمط الجيني (XY) والأنثى هي على النمط الجيني (XX)، وجاءت هذه التسمية لهذا الزوج الكروموسومي بناء على شكله تحت المجهر إذ أنه يشبه حرفين ال(XX) عند الأنثى بالغالب، وحرف (X) وحرف x-قصير سمي بال(Y) عد الذكر بالغالب. انظر الشكل البياني رقم ١
clip_image022
خلق الذكر والأنثى

عندما تحدث عملية الإخصاب، أو عندما يتحد حيوانا منويا مع بويضة بنجاح، فإننا نحصل على ما نسميه باللاقحة 10 (zygote) أو البويضة المخصبة (fertilized egg).   هذه اللاقحة تحتوي على ٤٦ كروموسوم (٢٣ من الحيوان المنوي و٢٣ من البويضة)، وبهذا فإن عملية الإخصاب تسترد الزوجية الكروموسومية حينها، ويؤدي انقسامها الى تكوين الجنين. ولكن، ما الذي يتحكم بتطور هذه اللاحقة لتصبح ذكرا، أو أنثى أو ذو تنوع جنسي بيولوجي آخر؟
كما نوهت إليه سابقا، العامل الرئيسي لتحديد جنس المولود البيولوجي هو الزوج الكروموسومي رقم ٢٣. عندما تحدث عملية الانقسام المنصف في الخلايا الجنسية في المبيضين عند الأنثى البالغة فإن الخلايا الناتجة عن ذلك الانقسام هي أربع خلايا (٣ أجسام قطبية (polar bodies) تتلاشى وبويضة واحدة قابلة للتلقيح 10، ٥:ت) . النمط الجيني لهذه البويضة الغير مخصبة هو (X) أي أن كروموسوم رقم ٢٣ هو الكروموسوم (X). ولذلك إذا تم تلقيح البويضة من قبل حيوان منوي، فإن البويضة دائماً تعطي (X) عند مشاركتها في عملية الإخصاب. ولكن عندما تحدث عملية الانقسام المنصف للخلايا الجنسية عند الذكر، فإن الناتج هو ٤ خلايا جنسية أو جاميتات أو حيوانات منوية كل منها قادرا على تلقيح البويضة إذا توفرت له الظروف لذلك. ولكن لأن النمط الجيني للذكر هو (XY) فهذا يعني أن الحيوانات المنوية الناتجة عن الانقسام المنصف إما أن تكون على أحادية الكرومسومية أو على صيغة (X) أو على أحادية الكروموسوميية على صيغة (Y) للنمط الكروموسومي رقم ٢٣. هذا يعني أنه في عملية الإخصاب، واعتمادا على أي من هذه الحيوانات المنوية يتم التلقيح به، فإن الذكر ممكن أن يشارك في هذه العملية بحيوان منوي بصيغة (X) أو بحيوان منوي بصيغة (Y). وبهذا، إذا حصل وتم الإخصاب بين البويضة والحيوان المنوي بصيغة (X) فإن اللاقحة الناتجة ستتطور في غالب الأحيان الى أنثى من ناحية بيولوجية على النمط الجيني (XX)، وإذا حصل وتم الإخصاب بين البويضة والحيوان المنوي بصيغة (Y) فإن الناتج سيتطور في غالب الأحيان الى ذكر من الناحية البيولوجية على النمط الجيني (XY). وبينما تحدث عملية التناسل على هذا الحال في غالب الأحيان، إلا أن التغيرات الطبيعية في ميكانيكية التكاثر هذه تحدث أحيانا وينتج عنها أفراد من ذوي البينية الجنسية ممن هم على إختلافات جينية أخرى. ولكن ماذا تعني بالبينية الجنسية من ناحية كروموسومية؟ 
خلق بينيي الجنس
تُشير الإحصائيات الى أن البينية الجنسية هي موجودة تقريبا في ١٪ الى ٢٪ من كل حالات الولادة 6, 12. بالإضافة الى ذلك، فإن هناك عددا كبيرا من الناس يكتشفون عن تنوعاتهم البينية الجنسية لاحقا في حياتهم لأنها لم تكن ظاهرة أثناء الولادة 13.  وبينما يختلف الكثيرين حول الماهية في تعريف البينية الجنسية، إلا أن أي شخص ليس على النمط الجيني (XX أو XY) في استيعابنا النمطي لذلك من ناحية كروموسومية، فإنه قد يُعتبر على شكل من أشكال البينية الجنسية. 
ففي متنوعة كلينفلتر (متلازمة كلينفلتر؛ Klinefelter synddrome)، على سبيل المثال، الشخص الذي هو بيني-الجنس هنا لديه على الأقل كروموسوم (X) زائد والذي يتم الحصول عليه من أحد الأبوين، وبهذا فإن النمط الجيني لهؤلاء الأشخاص هو (XXY) أو في بعض الحالات والتغيرات التي هي في ضمن هذا التنوع الخلقي 14 فقد يكون النمط الجيني (XXXY أو XXXXY). بينيي كلينفلتر هم أقرب للذكور منه للإناث لأن أنماطهم الجينية تحتوي على ال(Y). ولكن كلينفلتر ليست الحالة الوحيدة التي يختلف بها النمط الجيني مقارنة بمن هم على نمطية كروموسومية من الذكور والإناث. هناك حقيقة العديد من التنوعات البينية الجنسية وكلها ذو تنوعات في أنماطها الجينية مختلفة عن المعهود كما هو الحال في متنوعة تيرنر (متلازمة تيرنر؛ Turner's syndrome). الأشخاص الذين هم على هذا التنوع الخلقي هم إناث بكروموسوم (X) واحد فقط وليس اثنين ونمطهم الجيني 15 هو (X0) أو (45X). هذا وبالإضافة الى تنوعات كلينفلتر وتيرنر، هناك العديد من التنوعات الكروموسومية عند العديد من الأشخاص أذكر منها:  XXYY (48 chromosomes) 16; XXXYY (49 chromosomes) 17; Triple X-variation or Trisomy-X or XXX (47) 18; XXXX or Tetrasomy-X (48 chromosomes) 19; XYY (47 chromosomes) 20; XYYY (48 chromosomes)20;  XYYYY (49 chromosomes) 20; وغير ذلك.
نستطيع أيضاً أن ننظر الى التنوعات البينية بالنظر الى عدد مجموعات التنوع الخلوي الموجودة في الأشخاص. إنه من الممكن أن تكون جميع الخلايا في جسم الإنسان البيني على نفس النمط الجيني الواحد كما هو الحال بتنوعات كلينفلتر وتيرنر التي نوهت اليها أعلاه وهذا يعني أن هناك مجموعة واحدة من التنوع الخلوي الذي عليه جميع الخلايا في الجسم، أي أن جميع الخلايا في الجسم لديها نمط جيني واحد. ولكن من الممكن أيضاً أن يكون هناك أكثر من مجموعة واحدة من أنواع الخلايا في جسم الشخص نفسه، أي وجود آكثر من نمط جيني واحد في خلايا مختلفة في نفس الشخص. عندما نقول مثلا أن النمط الجيني للذكر هو (XY) وللأنثى هو (XX) أو شيء آخر، كما هو الحال في الذكر النمطي أو الأنثى النمطية أو تنوع كلينفلتر النمطي وهكذا، فالذي نعنيه بالغالب هو أن النمط الجيني لجميع الخلايا الجسدية عند هؤلاء الأشخاص هو نفسه لجميع الأزواج الكروموسومية رقم ٢٣ في جميع أنحاء الجسم. وبينما أن هذا هو الحال عند الأغلبية، إلى أنه في بعض متنوعات البينية الجنسية، هذا ليس دائماً صحيح.  فعلى سبيل المثال، هناك وجود لأكثر من مجموعة واحدة من نوع نمطي جيني واحد في خلايا الأشخاص فيكون بعضها على نمط معين والبعض الآخر على نمط آخر وهذا ما يسميه البعض بالفسيفساء الكروموسومي (chromosomal-mosacicim). في نوع معين من متنوعة كلينفلتر 14 إسمها (XY/XXY Mosaic)، بعض الخلايا في أجسام الأشخاص هي على النمط الجيني (XY) والبعض الآخر على النمط الجيني (XXY).
هذا ليس القصة بأكملها. فحتى من ناحية كروموسومية، (XX) لا تعني دائماً أنثى 21 و(XY) لا تعني دائماً ذكر 6.  ضمنا لما هو منشور على الصفحة الإلكترونية لمنظمة للصحة العالمية (World Health Organization; WHO)، فإن هناك ذكور 22 بالنمط الجيني (XX) وهناك إناث بالنمط الجيني (XY) كما هو الحال 23 في متنوعة XX الذكري (XX Male Syndrome). ومع أن هذه المتنوعة هي نادرة جداً، إلا أنها تحدث أحيانا خلال ميكانيكية بيولوجية تسمى عملية العبور والتي نوهت إليها سابقا وبالتحديد خلال ما نشير اليه بالإزفاء اللامتوازن ٧ (unbalanced" translocation") [عندما يتبادل زوج كروموسومي المادة الجينية بطريقة غير "متوازنة" ناتجا عن ذلك زيادة أو نقصا في عدد الجينات على ذلك الكروموسوم] وتحدث أحيانا خلال الإنقسام الخلوي 10, 21. بالحقيقة وجود ال(Y) كروموسوم بأكمله ليس ضروريا لتحديد الجنس الذكري للمولود. هناك جين رئيسي على ال(Y) كروموسوم يدعى (جين SRY) والذي يعتبر المحدد الرئيسي للجنس الكروموسومي للمولود.  ما يحصل أحيانا في عملية الإزفاء الغير متوازن هو أن المنطقة الجينية التي تحتوي على ال (SRY) جين لوحدها تنتقل من ال(Y) كروموسوم الى ال(X) كروموسوم على الحيوان المنوي (X) الذي يحصل وأنه يلقح البويضة. وبهذا، ال(X) الذكري الذي يتحد مع البويضة ليكونوا لاقحة ب(X) كروموسوم ولكنها تحتوي على (SRY) جين الذي يسير عملية التحديد البيولوجي الكروموسومي للمولود فيكون ذكرا على النمط الجيني (XX).  هناك أيضاً إناث بالنمط الجيني (XY) كما هو الحال بمتغيرة سوير (متلازمة سوير; Swyer Syndrome) ومسببها هو طفرة أو تنوع تطوري في جين ال (SRY) نفسه 24.
العلاقة بين تنوعات البينية الجنسية والكروموسومات لا تقتصر على الكروموسومات الجنسية فحسب. فعلى سبيل المثال، في تنوع واحد على الأقل يدعى "متنوعة" نقص ال ٥-ريدكتيز (5alpha-reductuse-deficiency)، فإن بينيي الجنس ممن هم على هذا التنوع، هم ذكور نمطيين من ناحية الكروموسومات الجنسية (XY)، ولكنهم يتطورون من ناحية خارجية على شكل الأنثى. هذا التنوع لا يسببه الزوج الكروموسومي الجنسي رقم ٢٣ بل يسببه تنوع في الأزواج الكروموسومية الجسمية الأخرى 25. 
          .
وبهذا، فإن الكروموسومات تلعب دورا أوليا مهما في عملية تفريق الجنس البيولوجي بين الأشخاص ولذلك فهي تعتبر العامل القيادي في عملية خلق الذكور والإناث وبيني الجنس. النمط الكروموسومي (XY) يعني الذكور في أغلب الأوقات، والنمط الكروموسومي (XX) يعني الإناث، والأنماط الكروموسومية الأخرى هي تنوعات تنضم تحت مظلية "البينية الجنسية" المتعددة الأشكال والبيان.
التمايز التطوري الذي يتبع ذلك لتحديد الجنس-البيولوجي
(تمايز الأنماط الظاهري)
ب. تمايز أعضاء الغدد التناسلية (Gonads)
تحديد النمط الجيني الكروموسومي عند الجنين في أول تطوره هو فقط المرحلة الأولى في عملية تكوين الجنس البيولوجي عند الشخص وتمايزه كذكر أو أنثى أو بيني الجنس. بعدما تأخذ اللاقحة نصيبها من الكروموسومات الأبوية، فإنها تبدأ بالانقسام الخلوي ويبدأ الجسم بعملية التمايز البيولوجي الجنسي المبرمج في تلك الكروموسومات. إن أول الأعضاء التي تبدأ بالتمايز هي أعضاء الغدد التناسلية (gonadal organs) حيث أنها في تلك المرحلة عبارة عن كتلتين من الخلايا الجنينية الغير متخصصة لشيء ما أو لوظيفة ما ولكن يؤدي تخصصهم التطوري الى ما نسميه بالخصيتين (Testes) والمبيضين (Ovaries)، المكان الذي تنتج فيه الجاميتات في حياة الشخص لاحقا. الغدد التناسلية إذن هي عبارة عن أعضاء في الكائنات الحية نسميها بالخصيتين عند الذكور ومن وظائفها الرئيسية هو إنتاج الجاميتات الذكرية (الحيوانات المنوية) والمبيضين عند الإناث ومن وظائمهم الرئيسية هي انتاج الجاميتات الأنثوية (البويضات) 1.
جين ال(SRY) الموجود غالبا على ال(Y) كروموسوم له دور مهم هنا لأنه لا بد من وجوده للتمايز البيولوجي الذكري من ناحية غدد تناسلية. ففي حالة حصلت اللاقحة على (SRY) جين فإن اللاقحة حينها تتبع التعليمات المبرمجة في هذا الجين وجينات أخرى لتبدأ عملية تمايز تلك الكتلتين الخلويتين لتكوين الخصيتين. ولكن، إذا لم تحصل اللاقحة على ال (SRY) جين، وهذا يعني غالبا أنها حصلت على (X chromosome) من الأب و (X chromosomes) من الأم، وبمعاونة إرشادات من جينات أخرى، فإن اللاقحة تبدأ عملية التمايز البيولوجي لتكوين الغدد التناسلية الأنثوية أو المبيضين، المكان الذي يتم إنتاج الجاميتات الأنثوية فيه لاحقا.  ولكن، ماذا عن التمايز البيولوجي في الغدد التناسلية عند بيني الجنس؟ 
تظهر الغدد التناسلية عند بينيي الجنس بتنوعات طبيعية غير نمطية في كثير من الأحيان وذلك لأن أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي الى التنوع في الغدد التناسلية هو الطفرات الجينية القليلة الحدوث من ناحية إحصائية في الطبيعة ولكنها حاصلة لا محالة والتي هي ناتجة عن تغيرات في البنية الجينية للمادة الوراثية DNA.  فعلى سبيل المثال، تلعب عدة جينات دورا رئيسيا في صنع أنسجة الخصيتين وأهمها هو جين ال(SRY). إذا تم وحصل تغير في بنية هذا الجين خلال عملية توريثه للشخص المعني فإن ذلك سيؤثر على الخصائص المبرمجة في ذلك الجين تبعا للتغير الذي حصل، وبذلك فإن التطور البيولوجي للخصيتين يأخذ طورا مختلفا بناء على ذلك عاكسا لتلك التغيرات. هذا بالتالي يؤدي الى طيف من الأشكال والوظائف الحيوية وغيرها في أنسجة الخصيتين والمبيضين عند بينيي الجنس.  هذه التنوعات قد تعني أن الشخص يحظى على خصية واحدة فقط، أو حصوله على خصية واحدة ومبيض واحد، تطور غير نمطي بأشكال أخرى في الخصيتين والمبيضين كوجود أنسجة من الخصية وأنسجة من المبيض في نفس الشخص وهكذا. تسمى هذه الإختلافات "بالتنوعية في الغدد التناسلية" (خلل تكون الغدد التناسلية; Gonadal Dysgenesis). العديد من هذه التنوعات من الممكن ربطه بالكروموسومات الجنسية كما هو الحال بمتغيرة تيرنر، ولكن في أحيان أخرى، فإن هذه التغيرات تنتج عن تنوعات في الميكانيكية الوراثية المتعلقة بالكروموسومات الجسدية حيث أن نمطهم الجيني هو نمط معهود (XX) أو (XY). مثال على ذلك هو متغيرة سوير، الأشخاص المعنيين بمتغيرة سوير هم ذكور من ناحية كروموسومية (XY)، ولكنهم يفتقدون للخصيتين من الداخل ويتطورون تطورا أنثويا من الخارج 24.
وبذلك، من ناحية غدد تناسلية، الأنثى لديها مبيضين بشكل نمطي، الذكر لديه خصيتين بشكل نمطي، وبيني الجنس قد يكونوا على إختلافات متعددة من هذه الناحية ولا يسيرون على ما هو معهود من تطور بيولوجي في تكوين الخصيتين والمبيضين.




ت. الهرمونات (Prenatal Circulating Hormones)
من أحد الوظائف الرئيسية لأعضاء الغدد التناسلية هي إفراز الهرمونات التي هي عبارة عن "مواد تُفرز من قبل الغدد الى مجرى الدم في الجسم ويؤثر إفرازها غلى الأنشطة و النمو التطوري لأنسجة الجسم الموجودة في شتى أنحاء الجسم"1 . الهرمونات إذن هي عبارة عن ناقل حيوي ينقل رسائل محددة من أعضاء غدد الإفراز الى الخلايا آو الأنسجة الجسمية المعنية بتلك الرسائل في سائر أنحاء الجسم وتؤثر بأنشطة وتطور تلك الخلايا والأنسجة. دعونا نتكلم عن الخصيتين مثلا، أو الغدد التناسلية الذكرية، وهي الغدد التناسلية المسؤولة ليس فقط عن إنتاج الحيوانات المنوية عند الذكور ولك أيضاً عن إنتاج وإفراز الهرمونات الذكرية كالتيستاستيرون (Testosterone) وهرمونات ذكرية أخرى مُشكلة بمجموعها ما نسميه بالأندروجينات (Androgens)، والتي يطلق عليها بلقب الهرمونات الصانعة للذكور أو هرمونات التذكير (male-makers). ومع أن الكثيرين يسمون هذه الهرمونات بهرمونات التذكير إلا أنني أذكر هذا اللقب بحذر إذ أن هذه الهرمونات موجودة أيضاً عند تنوعات الجنس البيولوجية الأخرى في المرحلة الجنينية ولكن بنسب أقل، وعند الأنثى فإنها لا تُفرز من الخصيتين طبعا لعدم وجود ذلك وإنما عن طريق الغدد الفوق الكلوية (adrenal glands). الخصيتين الناشئتين أيضاً مسؤولتين عن إنتاج بعض الهرمونات البروتينية تسمى أنتا يموليرين هرمون (Anti-Müllerian hormone; AMH) والتي تقوم على إثباط أو منع التمايز التطوري الأنثوي عند الذكور بشكلٍ مقصود وفعال لكي لا يتمايز تطوره البيولوجي الى تكوين الرحم وغيره من مكونات الجهاز التناسلي الأنثوي مثلا. وفي المقابل، المبيضين، أو الغدد التناسلية الأنثوية، هي الغدد التناسلية المسؤولة عن انتاج الخلايا الجنسية أو الجاميتات الأنثوية أو ما نسميها بالبويضات، ولكنها مسؤولة أيضاً عن إنتاج هرمونين مهمين، الأستروجيين (Estrogen) والبروجيستيرون (Progesterone) واللذان يفرزان بشكل رئيسي في مرحلة البلوغ وليس خلال حياة الجنين). الفرق الرئيسي إذن من ناحية هرمونية في حياة الجنين بين الذكر والأنثى هو أن الذكور لديهم نسب عالية من الأندروجينات (هرمونات التذكير) التي تجري في مجرى الدم وتلك النسب عند الإناث هي ضئيلة بالمقارنة 1.
أما عند بعض بينيي الجنس، كما هو الحال مع من لديهم متنوعة حساسية الأندروجين (متلازمة حساسية الأندروجين؛ Androgen Insensitivity Syndrome). فان خلايا الجسم والتي تحتوي بالعادة على مستقبلات هرمونية (hormone receptors) لتوصيل الرسالة الى داخل الخلية، لا تستجيب للأندروجبنات، إما بشكل كلي أو بشكل جزئي، ولذلك يقال أن هذه الخلايا إما أنها لا تحس أو تحس بشكل جزئي بوجود تلك الأندروجينات ومن هنا جاء الإسم، وهذا التنوع التطوري لهذه الخلايا والهرمونات ينسب الى عوامل تنوعية وراثية (طفرة جينية) متعلقة بمستقبلات الأندروجين (androgen receptors). بينيي الجنس الذكور الذين لا تستجيب خلاياهم للأندروجبنات بشكل كلي والذين هم نمطيين في جيناتهم كغيرهم من الذكور، أي لديهم النمط الكروموسومي (46XY)، فإن أنسجتهم الجنينية تتمايز الى خصيتين ضمنا لتعليمات جين ال (SRY) الذي لديهم، ويتم بعدها إفراز الأندروجينات كما هو معهود، ولكن بما أن خلاياهم في الجسم لا تستجيب الى هذه الهرمونات المسؤولة عن عملية "التذكير" وخاصة لهرمون التستاستيرون وال(AMH) فإن أعضاء الجنين التناسلية تتمايز بيولوجيا بعدها الى أعضاء أنثوية. وبهذا فإن بينيي الجنس هنا إذا كان ذكرا من الناحية الكروموسومية، والذي هو على متنوعة حساسية الأندروجين الكاملة (Complete Androgen Insensitivity) فإن عدم حساسية الخلايا عنده للإستجابة الى هرمونات التذكير يؤدي الى عدم تذكير الأعضاء التناسلية عنده في مرحلة ما قبل الولادة وأيضا بعدها وفي مرحلة البلوغ فيتطور تطورا بيولوجيا أنثويا نمطيا فيكون ذكرا نمطيا من ناحية كروموسومية وأنثى نمطية في الشكل والتطور 27.
ومن هنا فإننا نستطيع أن نستنبط أهمية الدور الذي تلعبه الهرمونات في عملية تمايز الجنس البيولوجي بين الأشخاص. إن الطريقة التي تستجيب فيها أجسامنا للهرمونات، وخاصة لهرمون التستاستيرون كما سأوضح لاحقا، هو أمر في غاية الأهمية للتنوعات الجنسية بين الأشخاص، وفي تمييز الذكر عن الأنثى وعن بيني الجنس.
ث. تمايز الأعضاء الجنسية الداخلية والخارجية
(Internal and External Genitalia)
الكروموسومات الجنسية التي نبدأ بها حياتنا تُحدد الغدد التناسلية التي تتمايز اليها خلايا الجنين في المراحل الأولى من الإنقسام الخلوي والذي بالتالي يُحدد الهرمونات التي تفرزها تلك الغدد التناسلية في تلك الأطوار الأولى من حياتنا وطبيعتها، والذي بالتالي يؤدي الى تشكيل الأعضاء الجنسية الداخلية والخارجية التي تتطور اليها أجسامنا، والتي تظهر بشكل مُختلف وتعمل وظيفيا بشكل مُختلف بين أعضاء الجنس البيولوجي وغيره.
الأعضاء الجنسية عند الأنثى تُعتبر مكونة من الفرج الأنثوي (vulva) والذي يحتوي على جميع البنية التناسلية الخارجية عند الإناث متضمنا على الشفرتين الكبيرتين (labia majora)، الشفرتين الصغيرتين (labia minora)، البظر (clitoris)، غشاء البكارة (hymen) العجان (perineum)، وغيرها. يختلف الفرج بين الإناث في الشكل واللون والإحساس. أما عن البنية التناسلية الداخلية عند الأنثى فهي تتضمن على المهبل (vagina) والرحم (uterus) وعنق الرحم (cervix) والمبيضان (oviducts). وهناك أيضاً خصائص جنسية ثانوية (secondary characteristics) مرتبطة مع بلوغ الأنثى وتطور الثديين (breast development) هو أحد تلك الخصائص 28، ٥:ث.
٤٣. الأعضاء الجنسية عند الذكر تتضمن في تكوينها على القضيب (penis) والصفن (scrotum). أما عن الأعضاء التناسلية الداخلية فإنها تحتوي على الخصيتان (testes)، البَربَخ (epididymis)، الأسهر أو الوعاء الناقل (vas deferens)، الحوصلتان المنويتان (seminal vesicles)، غدة البروستات (prostate gland)، وغدتا كوبر (Cowper's gland) ٥:ث, 28.
الأعضاء الجنسية عند بينيي الجنس تختلف بشكل كبير بين أنواع البينية الجنسية وأيضاً بين أفراد النوع الواحد من بينيي الجنس. وبينما تبدو هذه الأعضاء الجنسية عند بينيي الجنس لكثيرنا على أنها خليط من الأعضاء الأنثوية والأعضاء الذكرية، لا أعتقد ولا أؤمن بالإشارة الى الأعضاء الجنسية البينية على أنها خليط من الأعضاء الذكرية والأعضاء الأنثوية، لأن البينية الجنسية ووجودها هو وجود مستقل بذاته وأعضائهم الجنسية يجب أن تكون كذلك أيضاً. ما يظهر لنا على أنه عضو جنسي مكون من أجزاء من القضيب وأجزاء من المهبل، هو ليس بالقضيب وليس بالمهبل وليس خليطا من الإثنين؛ هو عضو مستقل بذاته وعلينا تعريفه كذلك. لا يوجد هناك أيّة قوانين كونية تُحكّم علينا المعيار الطبيعي في تحديد شكل الأعضاء الجنسية، وكما ننظر الى القضيب على أنه عضو مستقل، وكما ننظر الى المهبل على أنه عضو مستقل، فإنه يتوجب علينا أيضاً أن ننظر الى الأعضاء الجنسية عند بيني الجنس على أنها أعضاء مستقلة بوجودها وتعريفها، وليست مجرد خليط من الأعضاء الذكرية والأعضاء الأنثوية المتواجدة عند الأغلبية من الناس. إن نفس الكتلتين الغير متخصصتين من الخلايا الجنينية في الأطوار الأولى من نمو الجنين والتي تتطور لاحقا لتصبح المبيضين عند الأنثى بتعليمات محددة من كروموسومات الشخص، هي نفس الكتلتين الغير متخصصتين من الخلايا الجنينية التي تتطور لاحقا لتصبح الخصيتين بتعليمات محددة من الكروموسومات، وهي نفس  الكتلتين الغير متخصصتين من الخلايا الجنينية التي تتطور لاحقا لتصبح غدد الأعضاء التناسلية عند بيني الجنس بتنوعاتها بتعليمات محددة من الكروموسومات.  النزاهة والكمال في عملية الخلق التي تؤدي الى وجود الإناث ووجود الذكور هي نفس النزاهة والكمال في عملية الخلق التي تؤدي الى البينية الجنسية عند البشر، دون تحقير للطبيعة أو اتهامات على الخالق. علينا بأن نفهم أن الطبيعة لا تدور حولنا وانما نحن هم من يدورون حولها. الطبيعة هي من يُعرفنا ونحن لا نعرفها.
وبهذا فأنا أكون قد أتممت ما أريد التحدث عنه في هذا الجزء عن الخاصية الأولى المكونة للهوية الجنسية عند الإنسان، خاصية الجنس البيولوجية، الناس من ناحية جنس بيولوجي هم عبارة عن إما من فئة الذكور أو فئة الإناث أو من فئات البينية الجنسية. الذي يُمايز الأجناس البيولوجية عن بعضها هو ميكانيكيات حيوية تبدأ مع البداية الأولى من تكويننا وتبقى منغرسة في وجودنا على طول الحياة.  الإختلافات بين الأجناس البيووجية يمكن ملاحظتها في تنوع الجينات الكروموسومية بينهم (chromosomal variations)؛ في تمايز الغدد التناسلية وتطورها (gonadal variations)؛ في النوع والكم من الإفرازات الهرمونية في المراحل الأولى من حياة الجنين(prenatal hormonal variations)؛ وفي التمايز الذي يحدث للأعضاء الجنسية عند كل من الذكر والأنثى وبيني الجنس (anatomical-sex variations). وكما نوهت له في رسمتي التي تصدرت هذا الجزء من الوحدة، ًفإن التنوع البيولوجي والاختلاف الجنسي، أحبتي، هو أمر جميل وضروري. أنت جميل كما أنت، أحمرا كنت أم أصفرا أم أزرق!
الجندر (Gender)
الآن هناك التنوع في جنسنا الكروموسومي (chromosomal sex) وهناك التنوع في أنماطنا الجنسية الظاهري (phynotipic sex) ولكن نحن لا نتنوع فقط من ناحية جينية ومن ناحية شكلية ووظيفية كأجناس بشرية، بل نتنوع أيضا في طريقة التفكير والشعور والتصرفات، وهو موضوع هذا الجزء الذي يتحدث عن الجندرية ودورها في تكوين هوية الأشخاص الجنسية. فما هي هذه الهوية؟
ما هو الجندر؟
يُعَرَفُ الجندر بطرق عدة ويعتمد ذلك على المنظور الذي نستخدمه لذلك التعريف، فهناك من يركز على الخاصية البيولوجية التي تساهم في نشأة الجندر وهناك من يركز على المحيطات الإجتماعية التي لا يمكن إنكار تأثيرها ولكن مُسَلِما بدور البيولوجيا في نشأة تلك التطورات، وهناك أيضاً من يعتبر الجندر على أنه منشأة إجتماعية وسياسية (social and political construct)، أي أنه لا أساس لها في بيولوجية الإنسان وإنما ظاهرة يقوم بإنشائها وتبنيها أفراد المجتمع، وغير ذلك 12. الطرف الذي تتكئ عليه وجهة نظري في هذه الوحدة حول العوامل المسببة للجندر، كما أنها وجهة نظر الكثيرين وخاصة أولئك من أهل العلم والباحثيين، هو أن الجندر يتولد بشكل رئيسي بتأثير من العوامل البيولوجية التي سأذكر ملخصا لها هنا، ولكن ذلك بطبيعته قابلا للتكيف نوعا ما مع المحيطات الإجتماعية وبالتالي تختلف كيفية بيانه والطريقة التي يُعبر عنه بها بتأثيرٍ من تلك المحيطات. موضوع الجندر بلا شك هو موضوع معقد وحساس وذلك برأي لأنه يتعلق بشكل رئيسي بمعاملاتنا الإجتماعية التي كان تاريخها يزدحم بالعنصرية والظلم والتفريق بين الأجناس البيولوجية، ففضل جماعة على حساب جماعات وأهان جماعات لارتقاء أُخَر. ولكن الفروق البيولوجية بين التنوعات الجنسية هي ليست موجودة للإبتذال المهين لها بذلك الشكل، وليست موجودة لتفضيل أي إنسان على غيره من الإنسان
ومع اختلاف المتخصصين في وجهة النظر عن المسببات لظاهرة الجندر، إلا أن الأغلب يبدوا على إتفاق بأن الجندر هو مجموعة من السمات النفسية التي تختلف بين الأجناس البيولوجية ليس فقط من ناحية إختلافات بينهم متعلقة بالجنس وبعملية التناسل والتكاثر (reproductive traits) بل أيضاً من ناحية 1 سمات عقلية وشخصية (cognitive and personality traits) وغيرها. لقد قمت بالإشارة الى واحدا من هذه التعاريف في مقدمة الوحدة، على أن الجندر هو "مجموعة السمات أو الميزات النفسية التي هي معروفة  باختلافها بين الأنواع الجنسية البيولوجية 1، كاختلافاتهم في طريقة التفكير والشعور والتصرفات. أي أنه ببساطة التجربة النفسية المتعلقة بكون الشخص ينتمي الى جنس بيولوجي معين وليس للأجناس الأخرى 28.  أو بطريقة أخرى هي السمات النفسية المتعلقة بكون الشخص على هيئة ذكر أو أنثى أو بيني الجنس والتي تتضمن على شعوره النفسي حول دوره الإجتماعي المتوقع منه في محيطه ارتباطا بجنسه البيولوجي، وحول تصرفاته الجنسية، وكيف يفكر وغير ذلك الكثير.  يجدر القول بي هنا بأن الميول الجنسي هو أيضاً من أحد تلك السمات النفسية التي تختلف بين الأجناس البيولوجية، وبذلك فهو أحد العوامل الجندرية التي تختلف بينهم، إذ أن أغلب الذكور على سبيل المثال يميلون جنسيا الى الإناث 1 في ضمن ما يسمى بالشهوة الجنسية لجنس الإناث ومعروف باللغة الإنجليزية بظاهرة (gynephilia) وأغلب الإناث تميل جنسيا الى الذكور في ظمن ما يسمى بالشهوة الجنسية لجنس الذكري (androphila). هذا لا يعني أن جميع أفراد تنوع جنس بيولوجي معين يتسمون بنفس السمة الجندرية، إذ أن هناك تنوعات حتى بتلك السمات بين أفراد الجنس البيولوجي الوحد، فقد يكون عضو الجنس البيولوجي الواحد ذو تنوع جندري نمطي في سمة نفسية ما (gender-typical) وقد يكون ذو تنوع جندري لا نمطي (gender-atypical). لن أتحدث كثيرا عن طبيعة الميول الجنسي هنا ومساهمته في تكوين هوية الأشخاص الجندرية إذ أنها موضوع الكتاب الرئيسي وسأتطرق اليها بشكل علمي مفصل في الوحدة القادمة.
ما هي الهوية الجندرية؟
فإذا كان الجندر هو مجموعات السمات أو الميزات النفسية التي تُعرَفُ باختلافها بين الأنواع الجنسية البيولوجية، إذن فالهوية الجندرية (gender identity) بالمقابل هي نظرة الشخص الى تجربته النفسية المتعلقة بكونه من فئة الذكور أو الإناث أو بيني الجنس والتي تتضمن على نظرته النفسية حول دوره الإجتماعي المتوقع منه في محيطه والمرتبطة بجنسه البيولوجي، وتصرفاته الجنسية، وكيف يفكر وغير ذلك الكثير. ولكي أسهل فهم ما أعنيه بالهوية الجندرية وكيف تساهم في نشأة الهوية الجنسية، فسأقوم بتحليلها هنا الى عاملين رئيسيين يدخلان في تكوينها: العامل الجندري-البيولوجي والعامل الجندري-الإجتماعي.
أ. العامل النفسي-البيولوجي (psycho-biological factor)
قد تشارك المحيطات الإجتماعية في التأثير على بعض الإختلافات الجندرية  التي هي ظاهرة بين التنوعات الجنسية البيولوجية إذا أن بعض الإختلافات المتعلقة بالجندر لها جذور في الثقافات والعادات والتقاليد وغير ذلك، وهذا شيء مؤكد وسأعطي أمثلة على ذلك عند تكلمي عن الهوية الجندرية- الإجتماعية، إلا أن الأبحاث العلمية تظهر بأن الإختلافات بينهم  تتولد بشكل رئيسي لأن الدماغ البشري الناشئ يتميز بشكل مختلف نوعا ما في أطوار نمو الجنين تبعا لتمايز الجنس البيولوجي، وخاصة نتيجة للإفرازات الهرمونية الجنسية في المراحل الجنينية الأولى مما يؤدي الى تنوعات تركيبية في الدماغ (structural differences) تختلف بين الأجناس البيولوجية وذو تأثيرات تبقى مع الشخص طيلة حياته الى حد ما 12. هذا وإن كثيراً مما لدينا من الأبحاث العلمية حول هذا الموضوع تمحور حول الفرق البيولوجي بين الذكور والإناث من ناحية اختلافات تركيبية بينهم في تعبير يُطلق عليه مثنوية الشكل الجنسي (sexual dimorphism). ولكن أنا لن أستخدم هذا التعبير لأني لا أؤمن بأن تنوعات الجنس البيولوجي تقتصر على ثنائية من الذكر والأنثى كما شرحت لكم سابقا وبذلك فالفروق البيولوجية لا تقتصر على تنوعين.
إنه ليس سرا بأن التنوعات الجنسية تختلف عن بعضها من ناحية بيولوجية في كثير من الأمور. فالذكر يختلف عن الأنثى وكلاهما يختلف عن بينيّ الجنس من ناحية جنس كروموسومي ومن ناحية نمط شكلي. ولكن الإختلافات التي أتحدث عنها هنا هي اختلافات جنسية بينهم متعلقة بالهوية الجندرية أو السمات النفسية التي تفرقهم عن بعض. هذه التنوعات الجندرية لا تقتصر فقط على الإختلافات المرتبطة بعملية التناسل والتصرفات الجنسية بينهم بشكل مباشر، ككون الأنثى هي من يستطيع أن يحمل الجنين في بطنها مثلا وترضيعه بعد ذلك وليس الذكر، أو عن اختلافاتهم في أدوار الجماع أثناء الممارسات الجنسية وغير ذلك، وكل هذا مهم إذ أنه طبعا يؤثر على النفسية الجندرية، ولكن أيضاً عن الإختلافات الملحوظة بينهم في الإدراك المعرفي للأشياء من ناحية الإستخدام اللغوي والتفكير الحيزي أو المكاني (spatial cognition) [التفكير بالأشياء من حولنا من حيث مكانها وشكلها وحجمها وميولها وهكذا] وغير ذلك من الأمور التي ليست على علاقة مباشرة في عملية التناسل أو الجنس ولكنها تختلف بين أنماط التنوعات الجنسية.  إذ أن الأساس في هذه الإختلافات عند الإنسان وغيره من الحيوان هو أساس في البنية الدماغية 12. فكيف تنشأ هذه الإختلافات؟
أنا تطرقت الى الميكانيكيات التي تؤدي الى تمايز أنماط الجنس البيولوجي من حيث تركيبهم الكروموسومي ومن حيت أنماطهم الشكلية، حيث أن التنوعات الكروموسومية تحدد الجنس الكروموسومي للجنين والذي بالتالي يحدد نوع أعضاء الغدد التناسلية التي تظهر عنده والذي بالتالي يحدد نوع وكمية الهرمونات الجنسية السيارة في جسمه والذي بدوره يقود عملية النمو التطوري لأعضاء الجسم والتي من ضمنها الدماغ. فكيف تؤثر الهرمونات على نمو الدماغ وتمايزه بين تنوعات الجنس ألبيولوجية؟ سأقوم بتفصيل لهذا في الوحدة القادمة، ولكن الدماغ البشري يختلف الى حد ما بين التنوعات البيولوجية وخاصة في منطقة تحت المهاد الأمامي (anterior hypothalamus) ومناطق القشرة المخية (cerebral cortical structures) 12، وبناء على هذا فإنه ليس عجبا بأن تصرفاتهم التي يتحكم بها الدماغ تتنوع أيضاً تبعا لذلك.  تُنسب هذه الإختلافات بين تنوعات الجنس البيولوجي في التركيبة الدماغية ليس فقط لتأثيرات الهرمونات الجنسية في المراحل الأولى من نشأة الدماغ بل أيضاً لدور التأثيرات الجينية المقرونة بال(y) كروموسوم وبشكل مستقل عن تلك التأثيرات الكروموسومية التي تؤدي الى إفراز الهرمونات الجنسية، وأيضاً الى عوامل أخرى سأتطرق اليها لاحقا 12. 
ولكن هذه الإختلافات البيولوجية لا يجب أن تكون بأي شكل من الأشكال مبررا للظلم وعدم العدالة الحاصل بين الذكر والأنثى وبين من هم على تنوع بيولوجي آخر أو على تنوعات جندرية نفسية أخرى. التنوع البيولوجي والجندري هو أمر حاصل وأصوله هي بيولوجية وكثيرها مقرون بإختلافات في التركيبة الدماغية، ولكنه ليس تنوع بيولوجي تفضيلي لجنس بيولوجي على آخر ولم يتواجد للتفرقة بين خلق الله من الإنسان أو ظلمهم وعدم المساواة بينهم وإنما لأن كلا من تلك الإختلافات البيولوجية يلعب دورا أساسيا لا عوض عنه في مسيرة الحياة. يجب أن يكون هناك انسجام وتناسق ومساواة بين ما تؤهبنا له بيولوجياتنا لكي نكون، وبين الطريقة التي تتعامل بها أوساطنا الإجتماعية معنا وما تحتمه علينا من أدوار ومتطلبات. وبنفس الوقت، يجب أن يكون هناك إحترام وانسجام بين ما تؤهبه فينا الطبيعة من تنوعات بيولوجية وتغيرات، وهي موجودة ومتنوعة، وبين ما تحتمه تلك التنوعات من تعديلات على البنية الهيكلية لبيئاتنا  وأوساطنا الإجتماعية.
تنوعات ذو علاقة بالعامل الجندري-البيولوجي
الأن تتنوع الناس من ناحية رضاهم الجندري بتكوينهم البيولوجي إذ إن الأغلبية من الناس هم على قبول لهوياتهم الجندرية البيولوجية والذي أعنيه هنا تحديدا أن تكوينهم البيولوجي كذكر أو أنثى يتطابق مع شعورهم الجندري النفسي على أنهم ذكور أو إناث، ولكن هنالك الكثير من الأشخاص ممن لا ينتمون الى هذه النمطية إذ أن الظاهر من تكوين جنسهم البيولوجي لا يتماشى مع هويتهم الجندرية النفسية. هذا يعني، أن هؤلاء الأشخاص قد يكونوا نمطيين من ناحية جنس بيولوجي ذكري أو أنثوي، ولكنهم يشعرون نفسيا من الداخل على عكس ذلك وأنهم ليسوا بالذكور بل بالإناث أو أنهم ليسوا بالإناث بل بالذكور. نسمي هؤلاء الأشخاص باللغة الإنجليزية 28 ترانزسيكشوال (Transexuals) وهذه ظاهرة طبيعية على المجتمع احترامها والتعامل مع أشخاصها المعنيين ضمنا لما يتناسب مع طبيعتهم. الأشخاص الترانزسيكشيوالين هم الذين نلقبهم وبشكل غير دقيق باللغة العربية بالمتحولين جنسيا. أقول هو تعبير خاطئ لأنه يحط من قيمة الأشخاص في هذه الخانة ويصغرهم الى تعبير مضمونه محصور على عملية تحويلٍ جنسي غير مقدرة لإنسانيتهم كأشخاص بل تجردهم منها، بالإضافة الى ان الكثيرين من الترانزسيكشوليين لا ينتهي بهم الأمر الى تحويل جنسهم البيولوجي في أرض الواقع، فالظاهرة هذه هي ظاهرة داخلية طبيعية ولا تنحصر فقط على الذين يقومون بعملية التحويل الجنسي. يتعامل هؤلاء الأشخاص مع حالاتهم بطرق مختلفة فمنهم من يقوم بعمليات لتحويل الجنس (sex reassignment surgery) لكي يتم التوافق بين تكوينهم البيولوجي الجنسي وهويتهم الجندرية النفسية، ويجب أن يكون ذلك مسموحا لهم، ومنهم من يقوم بحلول أخرى كالاكتفاء بأخذ الهرمونات الجنسية التي تساعد أجسامهم على عملية التأنيث أو التذكير. يقال للشخص المولود كذكر ولكن تشعر نفسيا واجتماعيا كأنثى بذكر-لأنثى ترانزسيكشيول (male-female transexual)، ويقال للشخص المولود كأنثى ولكن يشعر نفسيا واجتماعيا كذكر بأنثى-لذكر ترانزسيكشيول (female-male transexual). هذا التحول قد يأخذ أشهرا بل عددا من السنيين في بعض الأحيان! الهدف المرغوب الوصول اليه من خلال هذا التحول هو أن يتوافق شعور الشخص الجندري الداخلي النفسي وتصرفاته الإجتماعية بالجنس البيولوجي الذي يعيش فيه. لا بد من إحترام هذه الأقلية الجنسية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وان يعاملوا بإحترام كامل موافقا لإرادتهم. فيعامل الذكر-لأنثى ترانزسيكشيول كأنثى حسب إرادتها ويعامل الأنثى-لذكر ترانزسيكشيول كذكر حسب إرادته. هناك بعضا من الدعم الشرعي لهؤلاء الأشخاص في مجتمعاتنا الإسلامية، ودليلا على ذلك هو ما نقلته عن الدكتور طارق الحبيب في مقدمة هذه الوحدة، إذ أن الأشخاص الذين كان يتحدث عنهم يبدو لي أنهم ترانسيكشيواليين [موقف الدكتور طارق الحبيب يبدو أنه يختلف في موضوع المثلية وقد أشرت الى ذلك في الوحدة الثانية من الكتاب]. ولكن هذا الدعم أيضاً يذهب ضحيته كثير من المثليين في أوساطنا العربية والإسلامية إذ أن هناك من يتم تحويلهم الى الجنس الآخر عن جهل فادح في هذا الأمر كما نسمع عن ذلك في إيران وغيرها 29. وبينما أن هناك بعضا من مثليي الجنس ممن هم على غير رضى بجنسهم البيولوجي لأنها لا تتوافق مع هويتهم البيولوجية الجندرية، ويجب أن يسمح لهم بالتغيير من ذلك الأساس، إلا أن هؤلاء هم أقلية من المجتمع المثلي. أما عن الأغلبية من أعضاء المجتمع المثلي فهم على توافق مع هويات جنسهم البيولوجية الجندرية.
ب. العامل النفسي الإجتماعي (Psycho-social factor)
المحيطات الإجتماعية تلعب دورا في هوياتنا الجندرية، وهذا واضح إذا أننا إذا نظرنا الى مختلف الأوساط والمحيطات الإجتماعية، فإننا نلاحظ بأن الأدوار الإجتماعية الجندرية المرتبطة بتنوعات الجنس البيولوجي وتصرفاتهم ولباسهم ومعاملاتهم وغير ذلك الكثير، تختلف بين تنوعات الجنس البيولوجي تبعا لاختلاف الأوساط الإجتماعية  وذلك طبقا لعادات تلك الأوساط ومعتقداتهم وثقافاتهم وهكذا. فالدور الإجتماعي للذكر في محيط ما يختلف عن دور الأنثى وكلاهما يختلف عن دور الذكر والأنثى في محيطات أخرى وهكذا. المحيطات الإجتماعية إذن تؤثر على نفسية الأشخاص الجندرية الإجتماعية، فما يتوقعه المجتمع من الشخص بكونه على تنوع جنسي بيولوجي معين أو آخر، من أدوار إجتماعية، وتصرفات جنسية، وكل ما يدور حول الشخص من مفاهيم دينية وثقافية ومن قوانين سياسية وعادات وتقاليد وغيرها وكيفية ربط المحيط الإجتماعي لذلك بتنوع الشخص الجنسي يؤثر بنفسية الشخص الجندرية، خاصة إذا كانت تلك التوقعات لا تتناسب مع الشخص المعني لأنه ذو تنوع جنسي أو جندري يختلف عن الأغلبية. إن أغلب الناس تعيش بسلام بتوفيق بين محيطاتهم الإجتماعية وأدوارهم كذكر أو أنثى أو غير ذلك، ولكن هذا غير ممكن للكثيرين، مما يأخذني للتحدث عن تنوع ذو علاقة بالعامل الجندري الإجتماعي.
تنوعات ذو علاقة بالعامل الجندري-الإجتماعي
وكما تتنوع الناس من ناحية جندرية بيولوجية فإنهم أيضا يتنوعون من ناحية رضاهم الجندري الإجتماعي. إن أغلب الناس هم على قبول بالأدوار الإجتماعية التي يجدوا أنفسهم عليها تبعا لتنوع جنسهم البيولوجي، ولكن هناك أشخاص ليسوا كذلك وهم في ضمن ما نسميهم بالأشخاص الترانزجندريين (Transgender). الشخص الترانزجندري هو شخص لا يحصر منظور حياته ومعيشته بما هو معهود من أدوار جندرية متعلقة بجنسهم البيولوجي في المجتمعات المحيطة بهم 28. في الأغلبية من الناس، فإن المولود الذكر يحيى ليعيش حياته في ضمن المنظور النفسي البيولوجي الاجتماعي الذي هو متوقع منه كذكر والأنثى كذلك وهذا يتحدد بتحديد جنسهم البيولوجي. فالذكر مثلا يعيش حياته وتصرفاته ويفكر بها من منطلق ما يعيه هو ومن هم حوله بالرجولة، والأنثى كذلك تعيش حياتها وتصرفاتها وما تفكر به من منطلق ما تعيه هي ومن حولها بالأنوثة. ولكن هناك العديد من الأشخاص الذين لا ينتمون لهذا النمط الحياتي، ويعيشون خارجا عن تلك "الطبيعة" التي فُرضت عليهم في محيطاتهم وحضاراتهم، سواء لاختيار منهم لأنهم لا يرون العدالة في هذا النمط، او لأن بيولوجيتهم وخلقهم وضعهم في ذلك الموقف. هؤلاء الأشخاص هم من نسميهم بالترانزجندريين، أي أناس يعيشون حياتهم من منظور متحرر عن ما هو معهود من أدوار إجتماعية ومفاهيم نفسية مرتبطة بالجنس البيولوجي.  فترى الذكر الترانزجندري يشعر ويتصرف خارجا عن الإطار الذكري الذي يفرضه عليه مجتمعه وترى الأنثى الترانزجندرية تشعر وتتصرف خارجا عما يفرضه عليها مجتمعها وهكذا. الترانزجندرية هي مظلة واسعة وينتمي اليها العديد من الأشخاص ذو تنوعات جنسية مختلفة.  فالترانزجندر قد يكون مغايرا جنسيا، أو مثليا جنسيا، أو ثنائي الميول الجنسي، أو بيني الجنس وغير ذلك. طبعا هذا لا يعني ان كل من هم لا ينتمون الى الأدوار الاجتماعية المعهودة لكل من الذكر والأنثى، هم من الأشخاص الترانزجندرين، لا، بل ان هذا التعريف يعود للشخص الفردي نفسه.
ولكن ما هو الفرق الرئيسي بين الأشخاص الترانزسيكشيوليين والأشخاص الترانزجندريين؟ الفرق هو انه تقريبا بالغالب كل الأشخاص الترانزسيكشوليين يسعون الى تغيير جنسهم البيولوجي لموافقة ما يشعرون به داخليا نفسيا واجتماعيا وذلك خلال الخضوع التطوعي لعملية تحويل الجنس، سواء من تغيير الاعضاء الجنسية بعمليات جراحية، أو بأخذ الهرمونات الجنسية الموافقة للجنس الأخر، أو كلاهما. البعض يحول والبعض لا تتوفر له الفرصة لذلك. وبهذا فهم على رضى بهوياتهم الجندرية الإجتماعية وليس بهوياتهم البيولوجية. وهذا ليس بالضرورة صحيح للكثير ممن الترانزجندريين، إذ ان أغلبهم على رضى ببيولوجيتهم ولكنهم لا يرتاحون للدور الجندري الإجتماعي والنفسي الذي يفرضه عليهم المجتمع من حولهم. 
الهوية الجندرية النفسية (Gender Identity)
يساهم كل من التكوين البيولوجي للشخص والمحيطات الإجتماعية المحيطة به إذن في تكوين هويته الجندرية النفسية وبالتالي فإن الهوية الجندرية هي عبارة عن حاصل الشعور النفسي الذي ينتج عند الشخص نتيجة لتوفيقه بين كل من العامل الجندري البيولوجي والعامل الجندري الإجتماعي. إنظر الرسم البياني رقم٢.  
clip_image024
تصنيفات الهوية الجندرية
يمكننا أن نصنف الأشخاص ضمنا لهوياتهم الجندرية الى نوعين 1، مُلتزم جندري (gender-conformist) وغير مُلتزم جندري (gender-nonconformist). الملتزمين جندريا هم أولئك الأشخاص الذين يلتزمون بالأدوار الإجتماعية و/أو التصرفات الجنسية التي هي معترف بها في أوساطهم الإجتماعية والمرتبطة بالجنس البيولوجي الذي هم عليه. فعلى سبيل المثال، إذا كانت العادات والتقاليد تُلزم الذكر على أن يطلق شعر شاربه وأن يلبس السروال وأن لا يُظهر عاطفة، فإن كل الذكور الذين يلتزمون بذلك هم مُلتزمين جندريا والذين لا يلتزمون بذلك هم غير مُلتزمين جندريا.  هذا التصنيف لا يقتصر فقط على البالغين من التنوعات الجنسية، ولكن أيضاً على الأطفال. هناك أطفال ذوي تصرفات تدلي على إلتزامهم الجندري وهناك من لا تدلي تصرفاتهم على ذلك. هناك أولاد تتصرف كالأغلبية من الأولاد من حولهم وفتيات يتصرفن كباقي الفتيات في وسط إجتماعي معين، وهناك من هم أولاد وفتيات ممن لا يلتزمون بما هو متوقع منهم جندريا، وسأتكلم عن هذا في الوحدة القادمة.
الهوية الجنسية
clip_image026
تطرقت وإياكم للآن الى ما نسميه بمصطلح الجنس وبينت لكم أن التنوعات في الجنس البشري هي تنوعات في الجنس الكروموسومي، وتنوعات في الأنماط الجنسية الشكلية وتنوعات في الهوية الجندرية، ولكن ما هي الهوية الجنسية وما علاقتها بكل هذا؟
يُعرف البعض الهوية الجنسية على أنها ميول الشخص جنسيا أو عاطفيا الى جنس بيولوجي معين 30 ولكن هذا هو من ضمن تعريف الميول الجنسي (sexual orientation) وهو ميزة جندرية واحدة من مكونات الهوية الجندرية، وهذا ليس تعريفا صحيحا في رأيي لأن هوية الجنس عند الأشخاص لا بد أن تكون شاملة ليس فقط لنوعية الميول الجنسي، بل أيضاً لجميع النواحي التي تؤدي في مجموعها الى هوية الأشخاص الجنسية. فنحن نطلق عليها اسم الهوية "الجنسية" وبناء على ذلك فلا بد أن تكون شاملة لكل النواحي التي تؤثر في هوية الإنسان الجنسية.  الميول الجنسي كما شرحت لكم هو سمة واحدة فقط من هوياتنا الجندرية، ولكن أيضاً الهوية الجندرية بشمولها الذي شرحته هنا هي ليست كافية لتكون عوضا عن الهوية الجنسية وذلك لسبب أساسي في رأيي، فما هو؟
الفرق الرئيسي بين الهوية الجندرية والهوية الجنسية هو أن الهوية الجندرية هي هوية نفسية داخلية يشعر بها الشخص فهي تدور حوله وحول شعوره وأحاسيسه وتصرفاته الجنسية، هي تجربته النفسية المتعلقة في الجنس كعضو معين في جنس بيولوجي معين، وبينما أن هذا كله هو أيضا من ضمن ما نعنيه في الهوية الجنسية إلا أن الهوية الجنسية يمكننا أن ننظر اليها على أنها تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الشخص بحد ذاته ونفسيته بل أيضاً كل الذين حوله ومعايريهم الجنسية. فهي الهوية الجنسية للشخص مقارنة مع أولئك الذين حوله من الناس، وهذا سأتحدث عنه بتفصيل أكثر في الوحدة السادسة. فعلى سبيل المثال، أنا كمثلي جنسي، ميولي الجنسي هو ميول نحو الآخرين من الذكور، وهذا جزءً من هويتي الجندرية لأنه شعور نفسي في داخلي. ولكن عندما أنظر الى غيري من الناس، فإن هناك آخرين أيضا من الذكور ممن هم على ميول جنسي مع الإناث. فمقارنتي هذه لخاصية من خصائصي الجندرية مع الخصائص الجندرية لغيري، هي ما يعطيني هويتي الجنسية في الميول الجنسي مقارنة مع الغير (إذا لم أقارنها مع غيري فهي تبقى في ضمن هويتي الجندرية فقط، كيف أنا أشعر وليس كيف أنا أشعر مقارنة مع الآخرين). هذا ليس لكي نفرق الأشخاص عن بعضهم ولا لتمييز أحدهم عن الآخر، وإنما هي عبارة عن مقياس للشخص نفسه (ليس للآخرين) ليحتفل بتنوعه الخلقي وسط التنوعات الجنسية الأخرى بشتى اختلافاتها.  الهوية الجنسية إذن لا تدور فقط حول بيولوجية الشخص بل أيضاً حول موقعها مع بيولوجية الأشخاص الآخرين، وليست فقط حول الهوية الجندرية للشخص بل أيضا حول موقعها مع الآخرين. هذا المعيار بين الأشخاص أيضاً قد يختلف من محيط إجتماعي الى آخر ومن زمن الى زمن. إذن فإن العوامل الرئيسية الآتية تساهم في تكوين الهوية الجنسية للأشخاص: التكوين البيولوجي للشخص وللغير والهوية الجندرية للشخص وللغير، علما بأن ذلك يتأثر بالمحيط الإجتماعي والزمني للأشخاص.   فكوني مثلا غير مُلتزم جندريا في وسط ما لا يعني أني غير مُلتزم جندريا في كل الأوساط، وهكذا. انظر الرسم البياني رقم ٣.



هذا المنظور للهوية الجنسية في التشريع الإسلامي


قد يتساءل البعض عن الطريقة التي يمكن أن تستوعب فيها شريعتنا الإسلامية لكلٍ هذه الإختلافات الخلقية في وجه كل ما يقال كمخالفة لما وصفته هنا. ولهؤلاء أقول بأن المكان الشرعي لاستيعاب التنوعات الجنسية البيولوجية والجندرية في داخل الشريعة الإسلامية هو مكان واسع ورحب، أوسع من أي مكان لذلك في أي ديانة توحيد أُنزلت للناس، فقط لو نطلق المجال لأفئدتنا بالتفكير كما أمرنا الخالق عز وجل ونسمح لأنفسنا بأن نؤمن بعظمة الخالق وبتعاليمه وأوامره وعلى أنه لا يقترف الخطأ. أين الدليل الشرعي؟
هو نفسه الدليل الذي يستخدمه علماء أمتنا في كثير من الأحيان هدانا الله وإياهم لإثبات الرأي المناقض.  لو فكرنا فعلا بالآية القرآنية الكريمة التي يستخدمها علمائنا باستمرار لتثبيت المفهوم الغير دقيق الذي لديهم عن الهوية الجنسية عند الناس على أنها مكونة من الثنائية في الجنس البيولوجي وثنائية في الميول الجنسي المغاير، بالإضافة لاستخدامها لتثبيت معيار التقوى وأن الناس هم سواء على مختلف ألسنتهم وألوانهم، لتبين لهم الأمر واضحا ولتفتح لهم الأبواب. يقول الله في الآية الكريمة التي افتتحت بها هذا الجزء الثاني من الكتاب:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" ١. فما الذي نستطيع فعلا أن نفهمه من هذه الآية من ناحية جنس بيولوجي وتنوع جنسي، هل هو أن الله اقتصر في خلقه على الذكر والأنثى فقط؟ لا بالتأكيد!
الآتي هو بعض النقاط التي استنبطها من هذه الآية الكريمة:
clip_image028
أ. إن الله عز وجل قال "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى"، ولم يقل إنا خلقناكم ذكرا أو أنثى، ولم يقل إنا خلقناكم إما ذكورا أو إناثا، أو ما شابه. ولكنه قال، " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى". هل تلاحظ الفرق؟ الفرق هو فرق جذري، إذ أنه  لم يحدد جميع الخلق على أنهم إما ذكورا أو إناثا، ولكنهم جاؤا جميعا من ذكر ومن أنثى حاضنا بذلك جميع إختلافاتنا البشرية الجنسية. إنظر الرسم البياني رقم ٤. 
ب. هذه الآية أيضاً تؤكد أن الإختلافات الخلقية بين البشر هي إختلافات بأمر الله وهي عبارة عن ميكانيكية بيولوجية أوضعها الله في خلقه لكي يتنوعوا عن بعضهم ودليلها هو قوله تعالى: "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ" ٨. لو كان الله يريدونا جميعا على صورة آدم وحواء، لقال في الآية الكريمة يا أيها الناس إنا خلقناكم آدما وحواء، أو على صورة آدم وحواء. ولكن الله أرادنا أن نختلف. هل تعتقد أن آدم وحواء كانوا ذو عيون ألوانها تحتوي على كل ما جاء به الخلق من ألوان عيون في البشرية مثلا؟ ليس ممكنا. كانت عيونهم ذو لونين على الغالب فقط ولكن الله أودع ميكانيكية في تناسلهم للتنوع بين الخلق، فلدينا الآن ألوان عيون من جميع الأطياف. كذلك هو الحال بلون الجسد وبالتنوع البيولوجي الجنسي والإدراك العقلي وغير ذلك الكثير. آلية التكاثر والخلط الجيني التي أشار الله اليها بالماء المهين، والتي يفسرها ابن كثير بقوله "أي يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة" ٩، والتي أوضحتها في هذه الوحدة، هي التي أودعها الله في خلقه وهي نفسها المسؤولة عن وجودنا على صورة الذكر أو الأنثى أو على هيئة بينية-جنسية، وغيرها عددا غير محصور من تنوعاتنا البيولوجية. 
ت. أريد أيضاً أن أنوه بأن الحقيقة التي يخبرنا الله بها هنا على أنه خلق الناس من ذكر وأنثى لا تعني أن الذكر والأنثى هم أفضل من غيرهم من التنوعات الجنسية البشرية، حتى لو أنه أودع في نمطيتهم وظيفة التناسل. وظيفة التناسل هي وظيفة حيوية كغيرها من الوظائف الحيوية التي قد يتميز بها عدد من الناس وليس آخر، ولكنها ليست معيارا للطبيعة أو التفضيل أو الإنسانية أو حتى مقتصرة على الإنسان، فالحيوان يتناسل وغيره من الكائنات الحية. وبما أن التنوع الخلقي الناتج عن عملية التناسل هو طبيعة أودعها الله في خلقه من خلال الميكانيكيات البيولوجية التي تؤدي الى خلط الجينات واختلاف البشر، وبما أن عدم التناسل عند بعض الأشخاص هو إحدى هذه التنوعات، سواء كان محددا "بعقم بيولوجي" آو أنه ممكن ولكن نوع الأشخاص وحياتهم الجنسية قد لا تؤدي بهم الى تناسل نمطي وتكاثر (كالكثير من أعضاء المجتمع المثلي)، إذن فعدم التناسل هو أمر طبيعي ومن الطبيعة. انظر الى الشكل البياني رقم ٥ والذي أبين فيه هذه القضية من ناحية استدلال منطقي وهي طريقة تُستخدم في علم المنطق ١٠. هذا الإستدلال أيضاً ليس بمغالطة منطقية شرعية في المفهوم الإسلامي لأن التشكيك في إعتبار التنوع الجنسي المتصف بعدم القدرة أو الرغبة في التناسل على أنه تنوع طبيعي من خلق الله، والكل يؤمن بأن البعض من الناس لا تستطيع التناسل أو أن تنوعهم الجنسي لا يؤدي بالضرورة الى ذلك (وهذا ليس اختيار بل تنوع خلقي كما سأجتهد لتبيين ذلك في الوحدة القادمة)، هو مغالطة في حد ذاته لأن ذلك هو تشكيك بالخالق وقوله بأنه "أحسن" كل شيء خلقه ٨. المهم هو أن الذكر والأنثى ليسوا أفضل من غيرهم من التنوعات البيولوجية. ولتثبيت ذلك، فسأذكر الدليل من القرآن الذي يُعرّف الناس ذكورا وإناثا وغير ذلك بحقيقتهم ويجب أن يكون دليلا لمن ظلم وتكبر، حيث يخبرنا الله بسورة السجدة: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ.  ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ" ٨. فهو خلقنا جميعا من طين على سواء، لا الذكر أفضل من الأنثى، ولا الأنثى من الذكر، ولا الذكر والأنثى من غيرهم من بينيي الجنس ومن الإنسان. يقول الله أيضاً في هذه الآية بأنه أحسن كل شيء خلقه، فمن نحن لنتهم الخالق في خلقه؟ ثم إستخدام الله لكلمة "بدء" هي دلالة على أن عملية الخلق هي عملية مستمرة، فلم تنتهي بخلق آدم وحواء، لأنه لم يقل أنه بدأ خلق آدم وحواء من طين في هذه الآية، بل بدأ خلق الإنسان، والإنسان عملية خلقه عملية مستمرة لم تنتهي بخلق آدم وحواء أو مماتهم بل هي مستمرة في الميكانيكيات البيولوجية للتنوع الجيني التي نوه الله اليها في الماء المهين. إذن، هو "بدأ" خلق الإنسان من طين، أي جميع الإنسان، ومن "ثم" أودع فيه ميكانيكية في الخلق مؤدية الى تنوع الإنسان والإستمرار في عملية خلقه وبعدها جعله على تنوعات مختلفة ناتجة عن تلك الميكانيكية لكي يتعرف الإنسان على غيره من الإنسان.
clip_image030
ث. النقطة الأخيرة التي أود أن أشير لها هو قوله في الآية الكريمة بأنه خلق الناس ليكون الناس على اختلاف من بعضهم لأجل أن يتعارفوا وذلك في قوله "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". الإختلاف بين الشعوب هو جزء من عملية الخلق، فتنوعنا في اللسان مثلا هو تنوع خلقي تتصف به الشعوب، وحتى صورنا وأشكالنا تختلف تبعا للمكان الجغرافي الذي نولد به وغير ذلك الكثير. إن قبول الشعوب المختلفة للتنوع الجنسي هو أيضاً قبول يختلف من شعب وشعب، فهناك من هم يؤمنون بخلقيته ويوفرون للمعنيين به جميع حقوقهم، وهناك من يجهلون به وغير ذلك. هو أمر من الله أن ننظر الى الشعوب الأخرى ونحاول أن نفهم قضاياهم والطرق التي يتعاملوا فيها مع أمور الإنسانية. نحن اختلفنا لكي نتعارف! فعندما نسمع بأن بعض الدول تعطي المثليين حقوقهم مثلا، هذا ليس أمرا من التطبيع أو مؤامرة على الإنسانية وإنما ارتقاء وتطور أصوله العلم الحديث والحقيقة الخلقية. علينا بأن نتعارف مع غيرنا ونتعلم منهم. كنا خير أمة أخرجت للناس، ومصباحا أنار الطريق لكل الحضارات من حولنا فتعلموا منا واستفادوا الكثير. ولكن أين نحن الآن وماذا حدث؟ يضيف الله على هذه الآية بأن المعيار الذي سيحاسب به الناس رغما عن كل اختلافاتهم، هو ليس تنوعهم الذي خلقهم عليه ليكونوا، وإنما هو معيار في التقوى في قوله تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وعلى الناس أن تؤمن بذلك ولا تشكك به لأن الخالق هو العليم الخبير.
هناك أيضا أحاديث مروية عن الرسول موثق سندها تشير الى نفس الفهم لهذه القضية. فعلى سبيل المثال، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ " ١١.
أفما آن الأوان أحبتي كي نتملك عظمت هذا الدين وهذه الحضارة ونستنبط الإرادة الإنسانية منهما؟ الواجب ثقيل بلا شك ولكن التدين الحقيقي هو تدين مُفعم بالقوة الى أداء ما تعقد من وقضايا وأحكام، مُفعم بالأشواق الى ما هو حلال طيب من متاع الحياة ٢!
ترقبوا إصدار الوحدة الخامسة  والتي ستستعرض الابحاث العلمية حول قضية المثلية الجنسية. التعليق مشكور، واذا أحببت ما قرأت، فانشره مع غيرك لتعم الفائدة واضغط على زر LIKE على صفحتنا في الفيسبوك بالأسفل وشكرا للمتابعة. ولا تنسوا ان تبعثوا لي اسئلتكم حول العلم والمثلية لاني سابذل جهدي للاجابة عنها في الوحدة السابعة.
جميع الحقوق محفوظة
Maher Alhaj © 2013. All Rights Reserved
المصادر العربية:
١. سورة الحجرات، آية ١٣
٢.  تُنسب هذه المقولة للإمام محمد الغزالي ولكني لا أعلم في أي عمل وردت من أعماله. إذا كنت على علم بذلك، فأرجو منك آن تكتب لي وتخبرني بذلك.
٣. أ. د. طارق الحبيب. برنامج لمسات نفسية: "حقيقة إضطرابات الهوية الجنسية". تصوير سعيد الوهيبي ومهند المنصوري. هندسة صوت بدر سعدو. متابعة إنتاج محمد مروان عثمان. فيديو فونت بليغ عبد السلام. أيلول ٢٠٠٨. كانون الثاني ٢٠٠٩.<http://youtu.be/0OjLdp1XOzM>
٤. سليمان بن الحسن القـراري. "الخنثى المُشْكِلُ وإشكالية التكليف الفقهي." الإسلام اليوم؛ بحوث ودراسات.  مؤسسة الإسلام اليوم. ٢٢ نوفمبر ٢٠٠٨ الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٢٩. النت. ٥ تموز ٢٠١٣. <http://islamtoday.net/bohooth/artshow-86-104434.htm>.
٥. إبراهيم علي دوعر، شتيوي صالح العبد الله، عبد القادر مصطفى عيسى، فاتن حنا مقطش الدقم، أحمد محمد الديسي.  "الأحياء للصف الثانوي العلمي". عمان الأردن: وزارة التربية والتعليم-المديرية العامة للمناهج. الطبعة الثانية. ١٩٩٨.
       أ.ص. ٧٠
      ب. ص. ٥٥
      ت. ٧٤-٧٥
      ث. ٢٤٨-٢٥١
٦.  خلية عروسية." موسوعة المعرفة. النت. ٧ تموز . ٢٠١٣ 
ت.<خلية_عروسية/http://www.marefa.org/index.php>. 
٧. "إزفاء لا متوازن." الطبي. النت. ٨ تموز ٢٠١٣
ا.<مصطلحات-طبية/علم-الأجنة/إزفاء-لامتوازنhttp://www.altibi.com>.
٨. سورة السجدة، أيات ٧، ٨
٩. تفسير إبن كثير. سورة السجدة، أية ٨
١٠. عزمي طه السد أحمد، عزت محمد جرادات، موسى عبدالكريم أبو سل، محمد نايف العمايرة، نوفان رجا السواري. "التربية الإجتماعية والوطنية". عمان الأردن: وزارة التربية والتعليم-المديرية العامة للمناهج. الطبعة الثانية. ١٩٩٨
١١.  أبو أنس بشير بن سلة. "سلسلة فتح القوي المتين بفوائد أحاديث رياض الصالحين (8) شرح حديث إن الله لا ينظر إلى اجسامكم." شبكة سحاب السلفية.  ٥ تموز ٢٠١٣.
<http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=123759>

Other References:
1.LeVay, Simon. Gay, Straight, and the Reason Why: The Science of Sexual Orientation. New York: Oxford University Press, Inc., 2011.
2. Barnett, Elizabeth, and Michele Casper. "Research: A Definition of Social Enviironment." Letter. American Journal of Public Health 91.3 (2001): 465. Web. 26 June 2013. <http://ajph.aphapublications.org/doi/pdf/10.2105/AJPH.91.3.465a>.
3. "What Is Intersex?." Intersex Society of North America. N.p., n.d. Web. 26 July 2013. <http://www.isna.org/faq/what_is_intersex>.
4. Hillman, Thea. Intersex (For Lack of a Better Word). San Francisco, CA: Manic D Press, Inc., 2008.
5. "The Normal Distribution: A Probability Model for a Continuous Outcome." The Role of Probability. Boston University School of Public Health, 12 May 2013. Web. 26 July 2013. <http://sph.bu.edu/otlt/MPH-Modules/BS/BS704_Probability/BS704_Probability8.html>.
6. Blackless M et al. How sexually dimorphic are we? Review and synthesis. American Journal of Human Biology, 2000, 12:151–166.
7. "Syndrome." Merriam-Webster. n.d. N. pag. Web. 26 July 2013. <http://www.merriam-webster.com/dictionary/syndrome>.
8. "Dysgenesis." Merriam-Webster. n.d. N. pag. Web. 26 July 2013. <http://www.merriam-webster.com/dictionary/dysgenesis>.
9. LeVay, Simon. The Sexual Brain. Cambridge: The MIT Press, 1993. 19. Print.
10. Purves, Bill, David Sadava, Gordan Orians, and Craig Heller. Life: The Science of Biology. 7th ed. Sunderland, MA: Sinauer Associates, Inc., 2004. 62, 191, G-2, G-11, 210, 822, 175, 175, G-12, G-12, 175, 172, 184, 175, 824, 25.  Print.
11. "Diploid." Dictionary.com. n.d. N. pag. Web. 26 July 2013. <http://dictionary.reference.com/browse/diploid>.
12. Purves, Dale, George J. Augustine, David Fitzpatrick, William C. Hall, and Anthony-Samual LaMantia, eds. Neuroscience. 3rd ed. Sunderland, MA: Sinauer Associates, Inc., 2004. 715. Print.
13. "How Common Is Intersex?." Intersex Society of North America. N.p., 13 July. Web. 26 July 2013. <http://www.isna.org/faq/frequency>.
14. "Klinefelter syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/klinefelter-syndrome>.
15. "Turner syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/turner-syndrome>.
16. 48, XXYY syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/48xxyy-syndrome>.
17. Visootsak, Jeannie, and John M. Graham. Klinefelter syndrome and other sex chromosomal aneuploidies. 2006. N.p.: Orphanet Journal of Rare Diseases, n.d. N. pag. Web. 26 July 2013. <http://www.ojrd.com/content/1/1/42>.
18. "Triple X syndrome syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/triple-x-syndrome>.
19. "Tetrasomy X." National Center for Advancing Translational Sciences. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, n.d. Web. 26 July 2013. <http://rarediseases.info.nih.gov/gard/7754/tetrasomy-x/resources/1>.
20. Linden MG, Bender BG, Robinson A (1995). "Sex chromosome tetrasomy and pentasomy". Pediatrics 96 (4 Pt 1): 672–82.
21. "46,XX testicular disorder of sex development." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/46xx-testicular-disorder-of-sex-development>.
22. "Gender and Genetics." World Health Organization. N.p., n.d. Web. 26 July 2013. <http://www.who.int/genomics/gender/en/index1.html>.
23. De La Chapelle, Albert. Analytic review: nature and origin of males with XX sex chromosomes. 1972. Vol. 24. N.p.: American Journal of Human Genetics, n.d. 71-105. 1 vols. Web. 26 July 2013. <http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1762158/?page=1>.
24. "Swyer syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/swyer-syndrome>.
25. "5-alpha reductase deficiency." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/5-alpha-reductase-deficiency>.
27. "Androgen insensitivity syndrome." Genetics Home Reference: Your Guide to Understanding Genetic Conditions. US National Library of Medicine: National Institutes of Health, 22 July 2013. Web. 26 July 2013. <http://ghr.nlm.nih.gov/condition/androgen-insensitivity-syndrome>.
28. Crooks, Robert, and Karla Baur. Our Sexuality. 8thth ed. Vol. 1. Pacific Grove, CA, USA: Wadsworth Group, 2002. 1 vols. P. 81-116; 117-138. Print.
29. Eshaghian, Tanaz, and Christoph Jorg, dir. Be Like Others . Wolfe Video, 2008. Web. 13 Aug. 2013.
30. "Sexual Identity and Gender Identity Glossary." The Feminism and Women's Studies site. N.p., 11 Feb. 2005. Web. 12 Aug. 2013. <http://feminism.eserver.org/sexual-gender-identity.txt>.
جميع الحقوق محفوظة
©Maher Alhaj 2013. All Rights Reserved



















































































































































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق